مجتمعنا والمحافظون الجدد
( ومضات من رواية بلزاك والخيّاطة الصينية الصغيرة)
بمجرد أن تجاوزت الصفحات الأولى لرواية بلزاك والخياطة الصينية تراءت أمامي تلك الفترة التي مر بها مجتمعنا السعودي حين شاهد بريبة آلة غريبة تطأ صحرائهم العذراء فجزعت أبلهم وقلوبهم وتمنعت قراهم الرملية معتقدين أن لها اتصالاً بالجن والسحر, وحين أطل بوجهه مذيع التلفاز احتجبن النساء , ولما عبّ الشباب الكوكاكولا أنكر عليهم الشيوخ فهو مشروب النصارى.
إن رواية بلزاك والخياطة الصينية قد تطرقت لمثيل تلك المواقف في مجتمع مختلف عنا عرضت لفتيين صينيين زارا قرية نائية, وكان برفقتهما آلة موسيقية لا يعرفها القرويون الصينيون , (فارتابوا كما ارتبنا) وأخذ كبير القرية يقلب الكمان بين يديه, يتشممه وينظر في تجويفه المعتم, يهزه بالهواء لعله يتمثل أمامه مارد محبوس, أو يمرر أنامله على الأوتار فينبعث نغم حاد نشاز افزع القرويين المتحلقين حول الكوخ الفقير .
وحين سمع معزوفة موزارت أستماله الطرب واستمال معه رأيه فتحول من مرتاب إلى طواف حول كوخ الشابين , في كل صباح ينتظرًا ديك المنبه لينقر الهواء آذناً فلاحين القرية أن يغشوا حقولهم مما أغرى الفتيين الغريبين أن يعبثا بتوقيت الساعة وفق نشاطهم وكسلهم للعمل حتى فقدا التوقيت الحقيقي.
هذا جعلني أتعجب .. على الرغم من وجود تباين كبير بين مجتمعنا في الدين والعرق والمناخ والطبيعة الطبغرافية واللغة والعادات والعرف والخرافة والأساطير وكافة مغذيات الثقافة المحلية لكن كلا المجتمعين اشتركا في منابذة الثقافة الوافدة.
لربما يكون السبب الأولي هو أن الإنسان عدو ما يجهل, فالجهل يقدم أحكام معممة مسبقة دون تدقيق النظر أو تجريبه ووضعه على محك الاختبار .
والسبب الآخر هو إن التغيرات في المجتمع قد تجرد طائفة من السلطة التي كانت تمارسها أو الحظوة التي تستظل بظلها, فتلجأ إلى تقمص دور المدافع عن الموروث.
أو يكون سبب الممانعة العادة التي جرت وبفعل الممارسة المستمرة والمتوارثة قفزت من هامش العادة إلى سلطان العرف.
ولا يمكننا الاتكاء على سبب واحد ينفرد في التأثير فللمجتمعات طبيعة متداخلة ومتشابكة ومركبة.
ورسمت الرواية بألوان قوس قزح مواقف متعددة إزاء التماس مع الثقافة الوافدة.
الأول المعجب بالثقافة الوافدة ولكنه يقنع بتحقيق مكسب يناله من الثقافة السائدة فيتخلى عن الثقافة الوافدة .
هذا الموقف سجله صاحب النظارة الأنفية كان يحتفظ بحقيبة ملآ بالكتب والروايات الغربية فتخلى عنها حين اشتغل بوظيفة صحفية تتناغم مع الثقافة السائدة .
والموقف الثاني موقف أسرته فأمه شاعرة وأبوه كاتب ولم يريدا مجابهة الواقع بل الانكفاء على الذات .
والموقف الثالث موقف الخياطة الصينية التي تأثرت بالثقافة الدخيلة وآثرتها على ثقافتها الموروثة.
والرابع السكون وممانعة التغير والحرص على تثبيت المجتمع وهذا الدور قامت به السلطات الرسمية.
والخامس الحيرة التي اعترت الشابان فمطالعة روايات بلزاك طوفت بهما لآفاق بعيدة وكستهما معانٍ جديدة لم يدركاها من قبل ,
ولا يمكننا القول بأنهما قد نحيا منحى الخياطة فلو كان ذالك كذلك لما أحرقا الروايات والكتب المنتمية للثقافة الوافدة.
وقد يطرأ استشكال.. ما الفرق بين موقف الشابين وموقف الانكفاء على الذات؟
أما الشابين فقد تأثرا بالثقافة الغربية وأضافت لهما أبعادًا جديدة في الحب والمرأة والحياة ولكنهما بقيا عند تلك المرحلة المتحيرة , بل إنهما أحرقا كل الكتب الغربية وبقية بذورها مدفونة في قلبيهما وعقليهما ,
ما أشبههما بديك منبههما الذي فقد التوقيت الحقيقي!
ولنلتفت قليلا لتصميم الملابس في هذا العمل الصيني , فوالد الخياطة يديم التنقل من قرية لقرية برفقة رجال يحملونه ويحملون على ظهورهم مكينة الخياطة, فيبتهج أهل البيت الذي يستضيفونه لأنه سيحدثهم عن ترحاله والمناطق البعيدة التي لم يصلها أحد منهم , وحين وصل الخياط العجوز لقرية الشابين اصطفاهما فاكتظ بيتهما الأعزب بالنساء من كل الأعمار , ولكن الخياط لم يقصد كعادته أن يحظى الشابان بمشاهداته بل أراد أن يقتفي أخبار الروايات فأنصت في تسع ليالٍ لرواية فرنسية بطلها الكونت ديمونت كرستو, وأبدع في حياكة ملابس شخصيات الرواية فأخرجها من بين طيات الصفحات إلى عالم الواقع وحولها بمهارة يده وخياله من تصاميم مجردة إلى تصاميم مترعة بقوام وقدود وفتنة الصينيات اللاتي ارتدين سراويل البحارة الواسعة ومناديل مدببة من الأمام ومربعة الشكل من على الكتف مصبوغة بألوان البحر وطرزت بتشكيلة واسعة من نقوشات كانت تتشح بها شخصيات الرواية الفرنسية فتطريز التروس ومراسي السفن و الورود و الكثير الكثير.. وورثت عنه ابنته تلك الموهبة .
حيث أدخلت لمجتمعها المغلق قطع ملابس نسائية جديدة فصممت حمالات صدر وقمصان تشابه تلك التي ترتديها فتيات المدن .
ولنلتقط قطعة ملابس مهمة لعبت دوراً فاعلاً داخل العمل, تلك السترة الرجالية المبطنة بجلد الغنم , ومن الخارج يكسوها صوف متفاوت الأطوال.
في أول ظهور لها كان يرتديها عازف الكمان, مثل أي لباس ترتديه شخصيات الروايات الآخرى , ولم تكن ترمي لأبعد من هذه الوظيفة المعتادة .
وما تلبث أن تتقمص رمزا دلاليا مبهراً, وذاك حين استعار عازف الكمان رواية بلزاك , فكشفت له على معاني كان يجهلها .
على الفور قام بنسخ بعض فصولها فوق الجلد المتيبس المبطن للسترة, فجاورت حروف وجمل بلزاك بدن الفتى , ومارست سحرها على قلبه وعقله .
وفي أحايين كان صديقه ليو , يستعير السترة ليقرأ على محبوبته الخياطة الصينية .
هنا تتوقع أن دور السترة قد أقتصر على أنها وسيط يقوم بتهريب ثقافة وافدة لمجتمع مغلق .!! لكن لا يستمر هذا, فتفاجئك وتباغتك هذه السترة الرائعة , بأنها تهيأ بالخفاء لتلعب أهم دور لها.
وذلك حين ذهب عازف الكمان إلى المستشفى لينقذ محبوبة صديقه ليو. فشاهده المرضى المنتظرون يتردد بينهم ولم يرتابوا منه,
لأنه يرتدي سترة صوفية كأنه فلاح فقير .
في حقيقة الأمر كان يبحث عن الطبيب بين الممرات والحجرات . وحين قابل الطبيب تفاوض معه مستخدماً السطور المنسوخة على السترة كدليل أثبات أنه ينتمي لطبقة المثقفين.
مما جعل الطبيب يتعاطف معه ويجري عملية الإجهاض , لتتحول السترة إلى طوق نجاة أنقذ الخياطة الصينية الصغيرة .
لكن لدي استشكال لم أجد له تفسير لماذا لم يحرق ليو وعازف الكمان السترة كما أحرقا رواياتهما التي تنتمي للثقافة الوافدة ؟.
فسياق شخصيتهما المتذبذبة يلمح لضرورة إحراق والتخلص من تلك السترة لتعميق الدلالة الرمزية لها , فلو فعلاها لأتت متناغمة مع دورها المتغير داخل العمل .
إن الثقافة الوافدة حين تعثر على أرض جديدة , لابد لها من أن تحمل داخل رحم قادر على ولادتها , وبعد الرضاعة تتعلم الزحف , ثم الحبو , فالوقوف على قدميها , وبعد أن تتزن الثقافة الوافدة بقامتها, تمشي بتسارع فتطأ في هرولتها أرض جديدة مكتشفة تفتش فيها عن حقل خصب تتفتح فيه براعم غضة .
تنظر بأعين حالمة ومندهشة لتلك المعادلة التي تقلب كل شيء رأسا على عقب .
فما يكن مستهجن محارب في السابق يصبح هو المطلوب الذي نسعى لتحقيقه.
هذه الفتاة السعودية اليوم تبعث للخارج باحثة عن المعرفة والعلم وزوجها مجرد مرافق لها , بينما كنا بالأمس القريب نعارض تعليمها . وتلك السيارات الفارهه تقف بازدحام أمام من كانوا يعارضونها .
واليوم الصين تفوقت في الصناعة على من كانوا قد ملكوا أسرارها .
ويستمر المجتمع في تحركه , ويبدل نفسه حتى يقضي الله أمرا كان مفعولاً.
* نشرت في جريدة المدينة – الملحق الثقافي ( الأربعاء ) في يوم الأربعاء الموافق 10/6/1430هـ عدد 16842
شكرا لك ياماجد على الموضوع الشيق والرائع الذي يضع النقاط على الحرف
ويتحدث بشكل واقعي عن المجتمع 000 الى المزيد من الرقي والتقدم باذن الله
http://albder.wordpress.com/
” أو يكون سبب الممانعة العادة التي جرت وبفعل الممارسة المستمرة والمتوارثة قفزت من هامش العادة إلى سلطان العرف ”
اجد هذا السبب يتصدر قائمة الاسباب …
حيث ان الممارسة لشئ يتحول تلقائيا لدينا على قانون يسن للجميع …
صحيح انه ليس السبب الوحيد في رفض الانسان لاي جديد يقابله …
مقال رائع استاذ ماجد … وتحليل يشدني لقراءة الرواية …
تقبل مروري .
مرحبا بك albder.
فعلا نحن بحاجة ماسة لأن ننظر إلى مجتمعنا بشكل واقعي وبعيد عن كل المثاليات .
حتى تكون الصورة التي تتراءى أمامنا واضحة وتنقل لنا المشهد الراهن والقائم وليس ما كان
أو ما سيكون .
سعدت بمرورك جدا .
المرء عدو مايجهله!
والبعض يرفض التغيير..لانه لاطاقة له به!
لكن كما قلت..
“يستمر المجتمع في تحركه , ويبدل نفسه حتى يقضي الله أمرا كان مفعولاً.”
تدوينة استمتعت جدا بقراءتها
وعجبني الحديث عن المجتمع من خلال رواية..
سأبحث عنها إن شاء الله..فذائقتك في اختيار الكتب تروقني..
دمت بخير..
الفاضلة علياء العمري . كثيرا ما يشغلني أمر العرف . من يصنعه ؟. وكيف يتشكل ؟. فالعرف ليس بسيئ على إطلاقه ولكن يتحول لشيء مقيت حين يتخلى عن الوظيفة التي تناط به . ولا نتعاطى معه على إنه وسيلة بل غاية نسعى في ركابها, ونلهث خلفها .
واللاهثون خلفه أناس يستترون به . ليداروا ضعفهم أو جبنهم في مجابهة واقعهم .
وإننا حين نستطيع تعريت العرف ونضعه على طاولة التشريح صدقيني عندها سنتعامل معه على إنه جثة هامدة لا روح فيها .
وأقدر إن هذا أمر عسير ليس بالسهل ولكن لابد علين إن نحاول حتى نكتشف نقاط قوتنا وضعفنا .
ممتن لمرروك .
أختي الكريمة غربة .
آمل إن تتقبل عذري في تأخري عن التعليق على ردك .
وذلك لأنني كنت مع مليكة أفقير فسجنها . مليكة أفقير هي ابنة الجنرال أفقير والذي شارك في انقلاب الصخيرات 1972 م على الحسن الثاني ملك المغرب . ومليكة أيضا للمفارقة هي الأبناء بالتبني لالحسن الثاني ملك المغرب . هذا مما جعلها تعيش في ازدواجية الحب والكره , التقدير والاحتقار . فأباها الذي تحمل اسمه هم بقتل أبوها بالتبني . وأبوها بالتبني قتل أباها الحقيقي . مما أستوجب غضبه فحبس أسرت الجنرال لمدة عشرين سنة . تخيلي إن معظم المسجونين أطفال لا ذنب لهم بل فيهم طفل مل يبلغ الثالثة ولم يخرج من السجن إلا في سن العشرين . وتخيلي أنهم حبسوا في زنزانات متجاورة ولم يروا بعضهم بعض لسنوات طوال على الرغم من أنهم متجاورين ويتحدثون لبعضهم البعض طوال هذه السنون
هذا هو عذري والله كنت أقرء بشرود عن عالمي الذي هو حول طيلت هذه الأيام وتوقفت علن كل شيء آمل أن تتقبلي عذري .
أختي فعلا المرأة عدو ما يجهل ولا تغير إيجابي سيطرأ على المجتمع إلا بكشح من نور العلم . ولك كل تقديري واحترامي .
السجينة ..قبل سنوات نصحتني صديقتي بقراءتها واردفت لاتقرأيها وأنتِ حزينة لأنها ستزيدك حزنا لاشك!
وقرأتها ذات ضيق وهم..
وعند قراءتها صغرت في عيني مصيبتي ..
كنت اتوقف عن القراءة وأغمض عيني واتخيل الصعوبات التي واجهتهم واتساءل..ماذا لو كنت مكانها..ماذا كنت صانعة!
وأسأل الله أن يلطف بي ولايعرضني لهذا الاختبار الصعب..
بعد قراءتي للكتاب..بحثت عن اخبارها..عن صورها..عن مقابلاتها
لأني أردت التأكد أنها الآن بخير!
كمن كان يشاهد فلم أو مسلسل..ولم تعجبه النهاية فأخذ ينتظر ويمني نفسه بجزء ثاني ليتزوج البطل البطلة ويعيش الجميع سعداء..
وفرحت عندما رأيت في المكتبة كتابها “الغريبة” وهو عن حياتها بعد السجن..
بدأت قراءته ..ولم أكمله..
يمكن فقط اطمأننت عليها..أن الروح عادت لذلك الجسد الذي انهته الأيام..
بعد قراءتي للكتاب “السجينة” حمدت الله اني من عامة الناس..لالي ولاعليّ..
ولا اضطر لأدفع ثمن أخطاء غيري..ولا أعلم لمَ تذكرت نكبة البرامكة!!
وكرهت السلطة وحبها..والانتقام ..ووو
عائلة اوقفير الفوا الكثير من الكتب عن نكبتهم..
الأم والأخ وأعتقد احدى اخواتها أيضا..
لكن لم أشعر برغبة في القراءة..
جرعة واحدة من الحزن تكفي!
“أعتذر عن الإطالة..لكن الحديث عن هذا الكتاب ذو شجون”
دامت روحك بخير..
“جرعة واحدة من الحزن تكفي”.
قد وقعت هذه الجملة موقعها مني .
قبل إن أقرؤها كنت فرغت للتو من كتابة تدوينة تناولت ثلاثة جرعات مركزة من الحزن .
رواية العطر , وترمي بشرر , والسجينة.
هؤلاء الثلاثة تركت فيني أثر لا أظن إني أنساه ما حييت .
أتعرفين ما أجمل أن تقرأ رواية أو كتاب , ثم تقوم بالبحث عن أبطاله , حتى وإن كانوا مخلوقين من الخيال .
أتذكر يوما كنت في الحسين بقاهرة المعز لدين الله . وكانت أيام الشتاء .
وحين تركت المقهى رحت أسير على قدمي وأستمتع بالجو البارد قليلا , والغائم , وكانت في تلك الأيام يهطل مطر متقطع.
فجأة دون إن أدري ولم أخطط , عبرت شارع مرصوف بالحصى , من هذا الحثى أدركت إني مقبل على منطقة أثرية.
إستوقفني باب خشبي يعود بناؤه للقرن العاشر الهجري .أقترب مني شاب مصري قال لي : يا أستاذ هل تريد أنت دخل لأحد تلك الآثار .
بصراحة شككت في أمره , فكيف سيدخلني وهي مقفلة! .
لكن قلت له أريد .
على الفور توجه لأحد تلك الأبواب , وأخرج مفتاح وفتح الباب .
ثم قال تفضل.
لم أتردد , فهي فرصة لا تعوض ولا تتكرر .
وراح الشاب يشرح لي بإسهاب .وأنا في ذهول من حجم معلوماته ( والتي ليست تلفيقا) . بل أننا رحت أطرح عليه أسئلة كاتي تتناول المماليك والحقبة التي عاشو وحكموا فيها .
لأكتشف إنه طالب في قسم الآثار .
قلت له أين نحن الآن .؟
قال : نحن في حارة بين القصرين .
لم أصدق نفسي ورحت أتخيل كل شخصيات نجيب محفوظ.
أختي غربة الشكر لتعليقك . حيث جعلني أفكر في كتابة تلك المشهدات.
ولك كل التقدير .