Feeds:
تدوينات
تعليقات

دائما ما أسائل نفسي كيف تولد الفكرة ؟.
أنحن نستدعيها أم هي التي تجذبنا كمغنطيس لعالمها ؟.وعلى الرغم من كل الآلام التي تعبرنا ساعة المخاض ألم يصاحب بأرق بمعاناة بنزيف داخلي في عمق الوجدان . لكنه ينشر الطمأنيينة والهدوء والشعور بتجدد الحياة بانسلاخ جيدنا المهترء وتبديله بجيد ثاني ناعم غض نظيف خالي من الندبات . وما أن نقترف ونقتحم الحياة بهذا الجيد حتى يتمزق لتضخم ذواتنا المحتقنا فيضيق الجيد الذي كان .
ثم تعود لنا تلك المرحلة التي تولد فيها الفكرة من جديد وهكذا في ديمومة متخلقة .
ومن أفضل ما قرءت عن عالم التي تولد فيه الأفكار ما كتبه محمود درويش في كتابه أثر الفراشة وكتابه في حظرة الغياب . أسطرا يعاني قلمي العي في وصفها .

اللوحة والإطار

إذا انكسر إطار اللوحة , بسبب هزة أرضيّة خفيفة , تحميل
اللوحة إلى صانع أُطرٍ ماهر , فيضع لها إطاراً رُبَّما أجمل .
أما إذا تشوّهت اللوحة , بسبب خلل فنّي أصليّ, و بقي إطارها
سليماً , فلن تحتاج إليه إلاّ إذا نقص الحطب في المدفأة .
كذلك هي الفكرة : إذا انكسر إطارها وجدت لها إطاراً أقوى
و أصلب . أما إذا انكسرت الفكرة , فلن يكون إطارها السليم
غير ذكرى حزينة , تحتفظ بها كما يحتفظ راع خائب بجرس
كبش من قطيعه ,افترسته الذئاب .
أثر الفراشة / يوميات محمود درويش ص 147-148

* * *

ومن ديوان في حظرة الغياب هذه الأسطر العميقة ص 99- 100 ” خذني إلى ما لست أعرف من صفات النهر ( خذني ) جملة موسيقية كهذه تشق طريقها في مجرى الكلام , حنيناً يتكون , ويكوّن ملامح صوت ووعداً بقصيدة . لكنها في حاجة إلى فكر يقودها وتقوده في مناخ الأمكانيات المقترحة, و إلى أرض تحملها و إلى قلق وجودي و إلى تاريخ أو أسطورة . ألسطر الأول هو ما سمّاه الحائرون , إزاء مصدره , الإلهام أو الأشراق . الباقي عليك وحدك . عليك أن تجد الباقي وعناصر البناء الكفيلة بصب الشعر ,شعر الحياة , في نظام القصيدة . فمنذ هبط عليك السطر الأول أصبحت أنت الصانع الماهر والشاعر إن حالفك الخط و أدركت الخطأ ”

ص 105 ” كم كنت تمقت الأرق ! لأنه يستعصي علي المحاورة , عنيد شديد المراوغة سعيد بقدرته على المناورة ”

حفار القبور

اللهم يا رحمن يا رحيم . يا الله  يا بر  يا رؤوف . يا ولي المؤمنين . يا إلاهي . أرحمن كل من غرق في هذا السيل . يا من رحمته وسعت كل شيء .  يا أكرم الأكرمين . تولاهم بعفوك وأسكنهم بفسيح جناتك .

 هدم  وغرق وجثث تعوم .

   وأطفال ونساء مفقودين  .

وسيارات مكومة , وبيوت غارقة  , وبرك مزجت  بما   السماء الطاهر , ومائنا الآسن العكر بذنوبنا بإفكنا بكذبنا بتحايلنا . تساؤل إن لم تكن هذه كارثة فما الكوارث .

عذر منكم أحبتي فقد تلمسون في توينتي الأخيرتان أسا وحرقة وألم وأنين لكن هذه الحياة .   حيث عجز القلم عن الكتابة والمضي والهاث خلف المعاني لكن  قصيدة السياب قد تنقل شيء من ذاك .

حفار القبور

 

رقم القصيدة : 68107

نوع القصيدة : فصحى

ملف صوتي: لا يوجد

 

ضوء الأصيل يغيم كالحلم الكئيب على القبور

واه كما ابتسم اليتامى أو كما بهتت شموع

في غيهب الذكرى يهوم ظلهن على دموع

والمدرج النائي تهب عليه أسراب الطيور

كالعاصفات السود كالأشباح في بيت قديم

برزت لترعب ساكنيه

من غلرفة ظلماء فيه

وتثاءب الطلل البعيد يحدق الليل البهيم

من بابه الأعمى ومن شباكه الخرب البليد

والجو يملؤه النعيب

فتردد الصحراء في يأس واعوال رتيب

أصداءه المتلاشيات

والريح تذروهن في سأم على التل البعيد

وكأن بعض الساحرات

مدت أصابعها العجاف الشاحنات الى السماء

تومي الى سرب من الغربان تلويه الرياح

في آخر الأفق المضاء

حتى تعال ثم فاض على مراقيه الفساح

فكأن ديدان القبور

فارت لتلتهم الفضاء وتشرب الضوء الغريق

وكأنما أزف النشور

فاستيقظ الموتى عطاشى يلهثون على الطريق

وتدفع السرب الثقيل

يطفو ويرسب في الأصيل

لجبا يرنق بالظلام على القبور الباليات

وظلاله السوداء تزحف كالليالي الموحشات

بين الجنادل والصخور

وعلى القبور

وتنفس الضوء الضئيل

بعد اختناق بالطيوف الراعبات وبالجثام

ثم ارتخت تلك الظلال السود وانجاب الظلام

فانجاب عن ظل طويل

يلقيه حفار القبور

كفان جامدتان أبرد من جباه الخاملين

وكأن جولهما هواء كان في بعض اللحود

في مقلة جوفاء خاوية يهوم في ركود

كفان قاسيتان جائعتان كالذئب السجين

وفم كشق في جدار

مستوحد بين الصخور الصم من أنقاض دار

عند المساء ومقلتان تحدقان بلا بريق

وبلا دموع في الفضاء

هو ذا المساء

يدنو وأشباح النجوم تكاد تبدو والطريق

خال فلا نعش يلوح على مداه ولا عويل

الا النعيب

وتنهد الريح الطويل

وعلام تنعب هذه الغربان والكون الرحيب

باق يدور يعج بالأحياء مرضى جائعين

بيض الشعور كأعظم الأموات لكن خالدين

لا يهلكون علام تنعب ان عزرائيل مات

وغدا أموت غدا أموت

وهز حفار القبور

يمناه في وجه السماء وصاح رب أما تثور

فتبيد نسل العار تحرق بالرجوم المهلكات

أحفاد عاد باعة الدم والخطايا والدموع

يا رب ما دام الفناء

هو غاية الأحياء فأمر يهلكوا هذا المساء

سأموت من ظماء وجوع

ان لم يمت هذا المساء الى غد بعض الأيام

فابعث به قبل ااالظلام

يا رب أسبوع طويل مر كالعام الطويل

والقبر خاو يفغر الفم في انتظار في انتظار

ما زلت أحفرةه وبطمر الغبار

تتثاءب الظلماء فيه ويرشح القاع البليل

مما تعصر أعين الموتى وتنضحه الجلود

تلك الجلود الشاحبات وذلك اللحم النثير

حتى الشفاءه يمص من دمها الثرى حتى النهود

تذوي ويقطر في ارتخاء من مراضعها المغير

واها لهاتيك النواهد والمآقي والشفاه

واها لأجساد الحسان أيأكل الليل الرهيب

والدود منها ما تمناه الهوى واخيبتاه

كم جثة بيضاء لم تفتضها شفتا حبيب

هل كان عدلا أن أحن إلى السراب و لا أنال

إلا الحنين و ألف أنثى تحت أقدامي تنام

أفكلما اتقدت رغاب في الجوانح شح مال

ما زلت أسمع بالحروب فأين أين هي الحروب

أين السنابك و القذابف و الضحايا في الدروب

لأظل أدفنها فلا تسع الصحارى

فأدس في قمم التلال عظامهن و في الكهوف

فكأن قعقهة المنازل في اللظى نقر الدفوف

أو وقع أقدام العذارى

يرقص حولي لا عبات بالضصنوج و بالسيوف

نبئت عن حرب تدور لعل عزرائيل فيها

في الليل يكدح و النهار فلن يمر على قرانا

أو بالمدينة و هي توشك أن تضيق بساكنيها

نبئت أن القاصفات هناك ما تركت مكانا

إلا وحل به الدمار فأي سوق للقبور

حتى كأن الأرض من ذهب يضاحك حافريها

حتى كأن معاصر الدم دافقات بالخمور

أواه لو أني هناك أسد باللحم النثير

جوع القبور و جوع نفسي في بلاد ليس فيها

إلا أرامل أو عذارى غاب عنهن الرجال

وافتضهن الفاتحون إلى الذماء كما يقال

مازلت أسمع بالحروب فما لأعين موقديها

لا تستقر على قرانا ليت عيني تلتقيها

و تخضهن إلى القرار و كالنيازك و الرعود

تهوي بهن على النخيل على الرجال على المهود

حتى تحدق أعين الموتى كآلاف اللآلي

من كل شبر في المدينه ثم تنظم كالعقود

في هذه الأرض الخراب فيا لأعينها و يا لي

رباه إني أقشعر أكاد أسمع في الخيال

أغنية تصف العيون

تنثال من مقهى فأنصت في الزحام و ينصتون

و كأن ما بيني و بين الآخرين من الهواء

ثدي سخي بالحليب و بالمحبة و الأخاء

يا رب أسبوع يمر و لست أسمع من غناء

إلا النعيب

و تنهد الريح الرتيب

واخيبتاه ألن أعيش بغير موت الآخرين

و الطيبات من الرغيف إلى النساء إلى البنين

هي منة الموتى علي فكيف أشفق بالأنام

فلتمطرنهم القذائف بالحديد و بالضرام

و بما تشاء من انتقام

من حميات أو جذام

نذر علي لئن تشب لازرعن من الورود

ألفا تروى بالدماء و سوف أرصف بالنقود

هذا المزار وسوف أركض في الهجير بلا حذاء

و أعد أحذية الجنود

و أخط في وحل الرصيف وقد تلطخ وقد تلطخ بالدماء

أعدادهن لأستبيح عدادهن من النهود

و سأدفن الطفل الرمي و أطرح الأم الحزينة

بين الصخور على ثراه

و لسوف أغرز بين ثدييها أصابعي اللعينة

و يكاد يحنقها لهاثي و هي تسمع في لظاه

قلبي ووسوسة النقود نقودها و اخجلتاه

أنا لست أحقر من سواي و إن قسوت فلي شفيع

أني كوحش في الفلاء

لم أقرأ الكتب الضخام و شافعي ظمأ و جوع

أو ما ترى المتحضرين

المزدهين من الحديد بما يطير و ما يذيع

مهما ادنأت فلن أسف كما أسفوا لي شفيع

أني نويت و يفعلون و إن من يئد البنين

و الأمهات و يستحل دم الشيوخ العاجزين

لأحط من زان انتهك الغزاة و ما استباحوا

و القاتلون هم الجناه و ليس حفار القبور

و هم الذين يلونون لي البغايا بالخمور

و هم المجاعة و الحرائق و المذابح و النواح

و هم الذين سيتركون أبي وعمته الضريره

بين الخرائب ينبشان ركامهن عن العظام

أو يفحصان عن الجذور و يلهثان من الأورام

و الصخر كالمقل الضريرة

و سيوثقون بشسعر أختي قبضتي و كالظلام

و كخضة الحمى تسمرها على دمها صدور

تعلو و تهبط باللهاث كأنهن رحى تدور

يا مجرمون إلى الوراء فسوف تنتفض القبور

و تقيء موتاها و يا موتي على اسم الله ثورا

رباه عفوك إن قابيل المكبل بالحديد

في نفسي الظلماء هب وقر يعصره الملال

فالليل جاء و ما أزال

مستوحدا أرعى القبور و أنفض الدرب البعيد

و كأن يا بشرى كأن هناك في أقصى الجنوب

خطا كأذيال الظلام و لمعة كدم الغروب

لكأنه ضيف جديد

و بدا الجناز و راح يشهق و هو يدنو في ارتخاء

الأوجه المتحجرات يضيئها الشفق الكئيب

و الغمغمات الخافتات من انفعال أو رياء

و النعش يحجبه غطاء

ألوانه المترنحات كأنما اعتصر المغيب

فيها قواه و ذاب فيها كوكب واهي الضياء

حتى إذا انهال التراب و صفح القبر الجديد

و تراعش الألق الضئيل على الظهور المتعبات

حتى اضمحل و غيبتها ظلمة الأفق البعيد

كانت مصابيح السماء تذر ضوءا كالضباب

بين القبور الموحشات

و على الخرائب و الرمال و كان حفار القبور

متعثر الخطوات يأخذ دربه تحت الظلام

يرعى مصابيح المدينه و هي تخفق في اكتئاب

وز يظل يحلم بالنساء العاريات و بالخمور

و تحسست يده النقود و هيأ الفم لابتسام

حتى تلاشى في الظلام

-2- النور ينضح من نوافذ حانه عبر الطريق

و تكاد رائحة الخمور

تلقى على الضوء المشبع بالدخان و بالفتور

ظلا كألوان حيارى واهيات من حريق

ناء توهم في الدجى الضافي على وجه حزين

و تلوح أشباح عجاف

خلف الزجاج تهيم في الضوء السرابي الغريق

و يشد حفار القبور على الزجاجة باليمين

و كمن يحاذر أو يخاف

يرنو إلى الدرب المنقط بالمصابيح الضئال

و تحركت شفتاه في بطء و غمغم في انخذال

أظننت أنك سوف تقتحم المدينه كالغزاه

كالفاتحين و تشتريها بالذي ملكت يداك

بأقل من ثمن الطلاء القرمزي على شفاه

أو في أظافر لاحقتها ذات يوم مقلتاك

سأعود لانهد تعصره يدي حتى الذهول

حتى التأوه و الأنين و صرخة الدم في العروق

و السكرة العمياء و الخدر المضعضع و الأفول

و الأذرع المتفترات يلون الضوء الخفوق

هزاتها المستسلمات و ينفح الدم و العبير

ظل لهن على السرير

الأذرع المتفترات و زهرتان على الوساد

نسجتهما كف مخضبة الأظافر زهرتان

تتفتحان على الوسادة كالشفاه و تهمسان

نغما يذوب إلى رقاد

و تألق الجيد الشهي و لفحة النفس البهير

و النور منفلتا من ال|أهداب تثقله الطيوب

قلقا كمصباح السفينه راوحته صبا لعوب

و تخافق الأظلال في دعة ووسوسة الحرير

و الحلمتان أشد فوقهما بصدري في اشتهاء

حتى أحسهما بأضلعي و أعتصر الدماء

باللحم و الدم و الحنايا منهما لا باليدين

حتى تغيبا في صدري إلى غير انتهاء

حتى تمصا من دماي و تلفظاني في ارتخاء

فوق السرير

و تشرئبا

ثم نثوي جثتين

لولا التماعات الكواكب و انعكاس من ضياء

تلقيه نافذة ووقع خطى تهاوى في عياء

يصدى له الليل العميق و حارس تعب يعود

و سنان يحلم بالفراش و زوجه تذكي السراج

و تؤجج التنور صامته و أخيلة اللهيب

تضفي عليها ما تشاء من اكتئاب و ابتهاج

ثم اضمحل الحارس المكدود و النغم الرتيب

وقع الخطى المتلاشيات كأنه الهمس المريب

ما زال يخفق من بعيد

و تململت قدمان و ارتفعت يد بعد انتظار

و هوت على الباب العتيق فأرسل الخشب البليد

صوتا كإيقاع المعاول حين إدبار النهار

بين القبور الموحشات و أطبق الصمت الثقيل

و أطل من إحدى النوافذ و هي تفتح و ارتياب

وجه حزين ثم غاب

و تحرك الباب المضعضع و هو يجهش بالعويل

و تقول أنثى في اكتئاب

ضيف جديد ثم تفرك مقلتيها في فتور

و يظل يزحف كالكسوف يحجب الألق الضئيل

عن وجهها ظل يقيدها بحفار القبور

-4-

في زهوة الشفق الملون حيث يحترق النهار

في عودة الرعيان أشباحا يظللها الغبار

في ساعة الشوق الكئيب إلى شواطيء كالضباب

و إلى أكف مخلصات

و إلى أغان مبهمات هائمات في شعاب

أنأى من الأصداء تغشاها نجوم ساهمات

في ساعة الشفق الملون كان إنسان يثور

بين الجنادل و القبور

نفس معذبه تثور

بين الجنادل و القبور

أأظل أحلم بالنعوش و أنفض الدرب البعيد

بالنظرة الشزراء و اليأس المظلل بالرجاء

يطفو و يرسب و السماء كأنها صنم بليد

لا مأمل في مقلتيه و لا شواظ و لا رثاء

لو أنها انفجرت تقهقه بالرعود القاصفات

لو أنها انكمشت وصاحت كالذئاب العاويات

فات الأوان فخط لحدك واثو فيه إلى النشور

لو أنها انطبقت علي كأنها فم أفعوان

لو أنها اعتصرت قواي

و مات ظل الأرجوان

في آخر الأفق البعيد و لألأت قطرات نور

مما تبعثره المدينة و هي تبسم في فتور

و كأنما رضعت مصابيح المدينة مقلتاه

فسرت لهيبا في دماه و ألغمتها بالرغاب

و كأنهن على المدى المقرور آلاف الشفاه

تدعوه ظمأى لاهثات مثل أحداق الذئاب

ما زلت تحترقين من فرح و أحتراق انتظار

أنا انتهينا

يا سماء و يا قبور أما أراها

لا بد من هذا وصوب مقلتيه إلى السماء

حنقا يزمجر ثم أطرق و هو يحلم بالقاء

باب تفتح في الظلام و ضحكة و شذى ثقيل

ويدان تجتذبان أغطية السرير و ترخيان

إحدى الستائر

ثم تنطفئان في الضوء الضئيل

و تغيم أخيلة و تجلى ثم تبرز حلمتان

ويطل وجه شاحب القسمات مختلج الشفاه

و تغيم أخيلة و تحلى ثم تفتح مقلتاه

فيرى القبور

و يرى المصابيح البعيدة كالمجامر في اتقاد

و يرى الطريق إلى القبور

يكتظ بالأشباح زاحفة إليه على اتئاد

فيصيح من فرح سألقاها فإن الطريق

نعشا و إن حف النساء به و أملق حاملوه

إني سألقاها و ينهض و هو يرفع باليمين

فانوسة الصدىء العتيق

يلقي سناه على الوجوه

و على الدثار القرمزي و في عيون القادمين

لو أنه اخترق الدثار بمقلتيه و بالضياء

لو حدث التابوت عمن فيه أو رفعت يداها

أو هبة للزعزع النكباء حاشية الغطاء

تحت النجوم الساهمات

لكاد ينكر من رآها

و تظل أنوار المدينة و هي تلمع من بعيد

و يظل حفار القبور

ينأى عن القبر الجديد

معتثر الخطوات يحلم باللقاء و بالخمرو

 

 

رؤيا

رؤيا

عندما يسدل الليل ستارته المرصعة بفصوص نجمات بعيدة .
أنزع بحذر عيني من محجرهما .
وأحفظهما في محلول دمعي مع بقية أعيني.
ثم أبقى ساهرا بجوارها أحلم بأن أرى أحلامي . !
وفي ليلة شتائية متمددة كغيمة. قررت أن لا أنزعهما .
فرأيت . !
عذاباتي .!

المويلح

 عذرا منكم قد لا أتقيد بأي فكرة ولا اسلوب لأنني أقع تحت صطوة سحر المكان من حولي . المكان قرية اسمها المويلح . شمال مدينة ضباء . الهواء يعبث مرحا عائدا من عمق البحر . الأرض مفروشة برمل ناعم نظيف غض لين . ويعزف الموج سنفونيته الباعثة للطمأنينة . عزفه على أكثر من نغمة ووتر . في البعيد يأتي وشيش البحر بصوت متصل لا انقطاع فيه .وعلي مقربة بضعة أمتار خرير الموج. موجة لطيفة خفيفة ثم أخرى وأخرى يفصل بينهما ثانية واحدة لا تزيد . ويأتي بعدها انسحاب الموجة مترحلة عن عالم الرمل العطش الجاف للماء وللحياة . هسيس الرمل يعلن  تراتبية الجمال . بالقرب مني طقطقة الفحم وأنين أبريق الشاي . وعبير أوراقه تضيف للمكان بعدا آخر .  في البحر قارب يتهادى تعلو وتهبط إضاءته الخافته والحالمة . هل للأمكنة أرواح تخاطب أرواحنا ؟. هل أرواحنا اللاهثة في دروب الحياة بحاجة لأن تناجي روح البحر الطازجة ؟.على شاطئ المويلح  يقف النخل يتأمل لوحة الشروق الزاهي بألوانه. وتنظر لشهوب الغروب وانطفاء قرص الشمس الناري . في شاطئ  المويلح كان الجمال وصغارها تخوض في البحر ثم تدني برؤوسها لمجرى مائي عذب .  الآبار الحلوة قريبة من الشاطئ المالح .  تبتسم بفوهاتها الضيقة وترويك ماءا حالي عذب في المويلح يختلط الحلو بالمالح .  حلاوت المكان وملوحة الأيام

*******  *

 

 فالتعليقات سيأتي الحديث عن  منطقة (جزيّ) .ما  أهنأني ببريق بصرك .

قمة نشوتها:

 قمة  نشوتها :

 

 حين تطل  كزهرة نرجس  من  عنق  مزهريته.

 ورائحتها تملأ بيته .

  تجذب أنفاسه .

 وتتعاظم نشوتها حين :

 لا تستنشق دخان زفراته .

 

 

قوطة ..بصل..بسباس

 

أقترب بخطى متثاقلة من الفصل  المتباين التكوين شيطناتهم تفيض مع الباب  ماجد يبدو أنك معلم فذ في تطبيق التعليمات التربوية (كبلوا التلاميذ في مقاعدهم) . دفعت باب الفصل دفعة المنتصر.

 في الداخل كانوا موجودين لكن بهدوء ونظام ولكن هناك فرخان ناقصان قلقت عليهم فربما ألتهمهما أحد الثعالب أو القطط . وقبل السلام أين الكندي والهندي ؟.

- بصوت مبتهج أجابوا: لم يحظروا اليوم .

 الحمد لله فلا أسئلة صاروخية ولا مشاغبات الكاري .  كيف أشرح لهم  وعما أتحدث! دنا مني الاريتري 

-  تفضل يا أستاذ . هذه قصة كتبتها بالبيت .

ألهمني فرخي القاص أن أتحدث لهم عن كيفية كتابة القصة .

-يا أحبابي كيف تكتب قصة ؟. من حولي صمت عميق . الحمد لله فإني سأستأسد وألعلع هذا اليوم .

- القصة يا شباب لها مكونات . لازال الصمت من حولي . ومكوناتها هي شخصية والشخصيات  يتحركون ومن هذه الحركة تنتج فائدة . صمت وكأني أحاضر في مدرج روماني بمفردي .

- أعيد مرة ثانية  كيف أقرب الفكرة لهم !!

- الكبسة..الكبسة كلكم يعرف الكبسة يا شباب .

- نعم

- طيب ما مكوناتها؟

 قال اليماني: قوطة* بصل بسباس * .

- البدوي : لحم  ثم توالت المكونات  .

 - طيب القصة مثل الكبسة . فالمكونات هم الشخصيات . ما هي طريقة صنع الكبسة؟ هي الأحداث في القصة . ثم طبخناها كبسة عميانية معتبرة.

- يا شباب الكبسة محروقة أم نية لذيذة أم مشي حالك هذا هي  الفائدة من القصة.

- سأقرأ يا أيها الطباخ الاريتري كبستك أقصد قصتك.

 - ” إن بعض الظن إثم .

   كان هناك ذكر حمام سيئ الظن كانت زوجته تغسل الصحون .

 قاطعني البدوي: كيف الحمام يغسل الصحون الحمام يوصخها؟!.

- بعيد عليك يا بدوي أتريد أن تلعب دور أكبر منك  في غياب الدولة المتقدمة كندا . يا بدوي هذا بالخيال يعني بالكذب .

- مما جعله يغضب منها وقد طردها من البيت عادت أنثى الحمام إلى عشها . صالحها وعادت لزوجها لكن من جديد طردها ولم يفلح في مصالحتها “.

- وينك يا هندي  فأنت تبني نهضة قادمة . وأنت يا كندي المتقدم  . يا اريتري

 كبستك بلا حدث لماذا غضب ذكر الحمام ؟. ولماذا طرد زوجته ؟ اكتبوا يا طباخين قصصاً وسأتذوقها الآن .

اليمني أنا قد انتهيت تفضل . قرأته كانت نسخة ثانية من الاريتري ولكن أضاف عليها  سؤالين :

1/ بعد أن طردها ماذا فعلت ؟.

2/ ما الذي تتعلمه من القصة ؟.

أنها أسئلة مقولبة لا تحرك الذهن

- يا يمني ما الذي استفدته من الدرس ؟.

وغادرتهم وأنا أغني بتلك الأغنية اليمنية :

 هيّا أسمعوا يا إخواني .

قصة عجيبة ملقْ .

 شفت غزال صنآني .

مدلأ وبالآني .

حالي أيونه زرقى .

كنت أحسبه لبناني .

 

*******

 

الترجمة :

هيّا أسمعوا يا أخواني

قصة عجيبة في اللقاء

شفت غزال صنعاني

مدلع و بالعاني

حالي عيونه زرقاء

كنت أحسبه لبناني

 

* قوطة / طماطم

 * بسباس / فلفل

زاوية البصر

 

(زاوية البصر)

 

( لمحه في رواية اسمي أحمر )

 

  ما إن يقع بصرك عليها حتى يجذبك لون غلافها الغريب , كاتبها اورهان باموق  الحائز على جائزة نوبل لعام 2006 م و قد أمضى كاتبها أربعة أعوام يجمع المادة  العلمية الصارمة , وستة  أعوام أخرى في كتابتها .رواية  مارثونية طويلة النفس  تذكرك بروائع الأدب الروسي , إلا  إنها  بخلاف الأدب الروسي الذي لا يبدأ الأحداث  حتى تطوي الصفحة خمسمائة , وأما  روايتنا التركية  (اسمي أحمر) فتبدأ الجريمة مع أسطرها الأولى ,  فتفاجئك بأن  جثة تتحدث إليك وليست الجثة فحسب بل كل شخصية في العمل  كانت تحاول لفت انتباهك طالبة منك الإصغاء والاقتناع بما تقول لك وفي سبيل  تحقيق  غايتها لن تتوانى في  تنميق ونسج الحكايات بل تكذب عليك بقصد ومن ثم تقدم اعتذارها إليك  . الجميل في هذا العمل أن مكوناته أتت من وحي البيئة التي خرجت منها – لقلق , وزيتون, وفراشة, وحصان, وكلب, وكبير النقاشين  العثمانيين, معلم تذهيب, حتى شجرة, وشيطان, وموت, ولون أحمر,  وقطعة معدنية مزيفة , كل هؤلاء وأكثر  نقشوا لنا  لوحة أسطمبول في عام ألف للهجرة ,  مقاهيها ورائحة قهوتها , ورؤوس نرجيلاتها , وزواياها و خلواتها, مساجدها, نقش خاناتها, حلاقيها, حماماتها, أحواض الماء الحار وأريج الصابون , أسواقها, خرائبها المحروقة, أحياءها العشوائية ,  عدة الأفراح والمآتم , الأطعمة , أحوال  الطقس , قصر الخلافة , الملابس والأزياء , باعتها المتجولين, الحكواتية فيها .

ولكي لا نتشظى كثيراً في هذا العمل المتلاطم الأمواج  سأحاول قدر  جهدي  أن  أفهم   المسألة التي عرضت لها بشكل مميز  وهي اختلاف  النقش  (الرسم ) بين المسلمين  والأساتذة الإيطاليون في القرن السادس عشر الميلادي .

بعبارة أدق هل الزاوية التي ينظر منها كلا من  الرسام أو المتذوق  لها تأثير في ما تريد التعبير عنه تلك اللوحة  الفنية  ؟. رواية  اسمي أحمر ناقشت مسألة مهمة, ما هو موقف الإسلام من فن الرسم ؟ هل منعه تماما؟   وهل ضوابطه   الدينية أعاقت تطوره  ؟.

وذلك لأن الإسلام الحنيف  يحذر من رسم ونحت ذوات  الأرواح .

 لذا ففرشة الرسام  المسلم  قد أوجدت البدائل  ولم تخرق هذا الضابط بشكل  قصدي فعمدت لابتكار فن الخط العربي والزخرفة بقسميها النباتي والهندسي

والأرابسك والخزف والفسيفساء والسيراميك .  فرسم جنات ذوات أفنان ملتفة  الأغصان والأوراق لتأكد  معنى تداخل الحياة بجانبيها المادي والروحي . ومهرها بزخارف متقاطعة متماسة متجاورة ملتفة محددة الزوايا ومتماهية الأشكال الهندسية. فبدلاً من رسمها حيوان أو إنسان على هيئته الطبيعية رسمت أصول ذوات الأرواح  من منظور مجرد . نرى  عصفوراً على هيئة ورقة أو زهرة أو بقوائم ونهايات بأشكال  هندسية . وبهذا لم يضاهِ الرسام المسلم  خلق الله

سبحانه بل رسمه من منظور أن كلا منهما الرسام والعصفور, مخلوقان ينعمان بجمال الخالق  المبدع سبحانه .

وأما الأساتذة الإيطاليون فقد عمدوا لرسم الحياة كما هي على الطبيعة ومحاولة محاكاتها كما هي .

ومن هاتين  المدرستين في الفن نستطيع تلخيص  منظورين للرسم . فالزاوية التي  يرسم منها الرسام لوحته ستحكم عليه بالطريقة والموضوع الذي سيتناوله .

فالمسلمون يعتمدون المنظور الساقط العلوي بمعنى أنك حين ترى اللوحة الإسلامية فكأنك تنظر اليها من أعلى إلى أسفل وكأنك تعتلي أعلى منارة  في المدينة وتنظر للشوارع والأحياء والناس أسفل منك .

وأما الأساتذة الإيطاليون فقد اعتمدوا النظرة الأفقية وكأنك تنظر للشارع من خلال نافذة غرفتك السفلية . أو كما شبه صاحب اسمي احمر كأنك تنظر بعيون المارة . فترى الكلب القريب منك بشكل كبير والرجل البعيد عنك بشكل صغير جدا أي أنهم اعتمدوا مقياس الرسم فالأشياء يتحكم في حجمها مدى قربها وبعدها منك  بحيث كلما قرب الشيء كبر وكلما تباعد صغر .

المسلمون لماذا اعتمدوا منظورهم ولم يعتمدوا طريقة الغرب لأنهم يعللون هذا بالتأدب في رسم الأشياء فليس من المعقول أن يكون الكلب القريب مني أكبر من منارة  المسجد التي تبعد عني كثيراً .

لذا المنظور الساقط العلوي يعطي تساوي وعدل في رسم الأشياء فنرسم المسجد كما نراه من أعلى  ونرسم كلاب السكك كما هي بقعا متشردة متشظية .  وبظني هناك تفصيل ابداعي آخر  فالإيطالي الذي يرسم الأشياء كما هي في الحقيقة ليس  إلا عدسة (كميرا) تلتقط لنا دون تدخل كبير  للحالة النفسية والمزاجية والحصيلة العلمية  للرسام . فيقتصر جل موهبته على استنساخ الواقع ومحاكاته .

وأما الرسام المسلم فيأخذ من واقعه عناصر الجمال ثم يمزجها بخلفيته المعرفية ويخرجها على شكل نقوش  متجانسة متناغمة على الرغم من اختلاف وتباعد عناصرها .

وخير شاهد في هذا النقوش التي تزين  محاريب وقباب المساجد .  قد يتبادر لذهني كيف هذا والنقوش هي خطوط وأشكال لا توجد في الواقع !.  صحيح تلك اللوحات لم تستنسخ من واقع الحياة لكن الرسام المسلم نقل إلى داخل لوحته

عناصر الحياة وروحها فنلحظ  إذا تأملنا قبة  نجد أن في لوحتها عنصر الحركة والسكون حيث لابد على المتذوق أن يجيل البصر في كل زوايا الرسمة  بعناصرها المختلفة – منقار طائر, جناح عصفور, ثمرة , ورقة, التفافة غصن , قرن غزال , جذع شجرة, كلمة بخط رشيق-, كل هذا وأكثر  تفيض على روحك معنى الحركة  حركة  الحياة .

 وأما السكون فإن ثبت نظرك لنقطة محددة ستجد وحدة رسمية تغوص في داخلها وتتاملها تأملاً صوفياً عميقاً .

إذا فالنقوش الإسلامية وحّدت الفكرة  بتناغم عناصرها . فنجد أن اللوحة ممكن أن نتلذذ بها من الوحدة الصغيرة المكتملة وننتقل  إلى الأكبر فالأكبر . أو إننا لنتلذذ بها بشكل  مختلف من الأكبر إلى الأصغر . والجميل أن كل هذه العناصر مكتملة الوحدات ومتجانسة ومتناغمة مع جارتها . أليست الحياة هكذا نحن ننظر للمجرة التي نعيش فيها ثم مجموعتنا الشمسية ثم كوكب الأرض والقمر ثم كوكبنا ثم السماء والأرض ثم الماء والهواء والتراب  ثم  النبات والحيوانات… إلخ .

أو أننا ننظر  للموجودات بالعكس من  الذرة ومكوناتها إلى الأكبر  والأكبر وكل تلك العناصر صغرت أم  كبرت تحمل في داخلها مقومات حياتها المستقلة ومنفصلة عن جارتها لكن متناغمة وهكذا أتت  فرشات المسلم .

الم يبق  بعد  سقوط الأندلس فرقة اسمها المدجنون تحاول محاكاة النقش الإسلامي بل أنهم للطرافة كانوا يكتبون  آيات من القرآن ظانين أنها  أساليب في النقش الإسلامي .  لكن الإيطاليين في الحقيقة أوجدوا وبرعوا في  إضافة  البعد الثالث للوحة فيكسبها عمقاً للداخل بحيث أنك تشاهد الحياة كما هي ويتطلب هذا الدراية في توزيع عناصر  اللوحة ومعرفة المقاييس المناسبة التي إن اختلت ستفرغ اللوحة من روحها التجسيمي . وأما المسلمون فقد نظروا من زاوية أخرى بحيث  استبدلوا التجسيم بالعمق الوجداني التأملي فلم يقصدوا رسم ذات الشجرة بل معناها. لذا فالنقاش المسلم حين يتقدم به العمر ويكف البصر  لا يتذمر بل يعتقد أن العمى أفضل وأثمن مكافأة يهبها له ربه حيث أفرغ بريق بصره في تتبع الجمال والإبداع وتشربها قلبه وعقله وروحه ولم يبق عليه سوى الانكفاء والتأمل والغوص في المعاني

 

من هذا كله لن أفعل كما فعل بعض النقاد بأن وضعوا المدرستين في ميزان التناقض بل سأحتفظ بهما في سحارة الجمال .

 

( نشرت في ملحق الأربعاء بجريدة المدينة الموافق 16/11/1430هـ , 4/11/2009م )

دكان

 

دكان

 

 

  يلثم عكازي الشارع الذي هجرته منذ زمن , ويمشي أمامي  طفل  يرتدي  قميص فريق كرة لا أعرفه , وفي البعيد بنيات يتحلقن  حول لعبة الكترونية . من تحتي آثار مربعات فحم  تحجل فوقها ذكرياتي وأحلامي الغضة .

 سأكن طيار , شرطي , قبطان , سواق  شاحنة , تتلفت خطاي يمنة ويسرة باحثة عن دكان صباي الغض . تباً لتلك السنون التي  تحدب ظهري ,   وتثقلني بخارطة صماء يعلو رؤوس طرقاتها لافتات   باهتة باسماء  لا معنى لها ,  ويعبّدها غبار أيامي . أأضاعت خطاي  هدفي القديم ! , أم  دكاني  قد  أضاعني!.

عبرت  ملعب طفولتنا الترابي  , ما إن حاذيت المرمى بشاخصتيه الجبسية  حتى  بعث لعبي من مرقده . هنا كنت أهرول بفانيلتي الكتافي  متقلدا  أوسمة من عرق بارد , وتبتسم ركبتاي المدماة من بين شقوق  بنطالي  المهترئ , وتلعق الهواء بطن قدمي السوداء التي لم  تلوثها  بعد  دروب العمر الملتوية . أرى من  بعيد تلك  العتبات المثلمة  لدكان طفولتي. تتسارع ساقي تقترب  وتقترب مرتجفة , مرتعشة , فرحة , أقذف بعكازي  إلى الهواء كطائرتي الورقية الملونة , أعتلي العتبة الأولى , والثانية , والثالثة , أتشبث  كغريق  بمقبض  الباب الصدئ بيدي المتعرقة كلحاء شجرة معمرة .

 يندفع جسدي الخفيف للداخل , يخفق  قلبي  , يتسع مدى بصري, أهوي بين الكور  وتطوف فوقي كعصافيرهم  كلماتهم  مات .. مات , مات .. عمو العجوز.

حازوقه بالكاري

حازوقه بالكاري

 

بينما كنت أقرأ كتاب ( ثقافة المقاومة لإدوارد سعيد) هجم  دافعا الباب ولكأنه سيقبض على مجرم في حالة تلبس لجرمه .

- أنا سأقفل هذه الصومعة التي تنزوي فيها  ؟ عندك حصة يا أستاذ هيا بسرعة.

- حصتي الثالثة .

- لا !! الثانية .

ثم تبعه المراقب الإداري للتنبيه مرة أخرى  . المهم ذهبت  لمقر الأمم العميانية  المتحدة . كانت أصواتهم تملأ الممر في اصطخاب وفوضى خلاقة . بصفتي شرطي العالم.

زأرت زأرتاً.. خمدوا . 

- درسنا اليوم عن العبادة .. خشع الجميع .  وابتدأت الدرس بقراءة لحوار مكتوب . مفاده أن ابن وأب يمشيان  على الشاطئ , فسأل الابن: لماذا خلقنا الله يا أبي ؟.

- خلقنا الله البحر فيه أسماك ونستخرج منه حلي .

- الكندي أستاذ في الحوار  هذا الابن يسأل لماذا خلقنا الله؟ والأب يجيب إجابة خاطئة  عن البحر. كيف هذا؟..

- ما يقوله  الكندي صحيح , ولكن ما الحل يا ماجد باعتبارك  طليعة جيش التعليم لابد علي الاستماتة في التبرير والترقيع ولكن هذا السؤال الكندي ضرب بشكل مباشر مركز القيادة التي وضعت وكتبت المنهج. كيف يوجه سؤال ثم يجاب عليه بإجابة مغايرة!. لملمت شتاتي وتنحنحت

- يا كندي أصبر حتى نكمل الحوار كاملا .

- الكندي بابتسامة الواثق  ننتظر لنرى .

ثم راح الحوار يتكلم عن  المخلوقات التي في البحر وفوائده  , والحلية التي نستخرجها منه.

 - هئ.. هئ  الهندي كيف نستخرج اللؤلؤ أستاذ ؟.

- أنتظر فسأجيبك . قلت يا ماجد لابد أن تقلب الطاولة على الكندي الذي يشكك في صياغة المناهج  وتذود عن وزارتك  المزودة بجيش عظيم عرمرم متخصصين في صياغة المناهج وفق عقول التلاميذ .

- يا اريتري ويا كندي ليكن بينكما  حوار عن المخلوقات التي خلقها الله.

- قال الكندي: الغابة . ثم دار الحوار بينهما ومعه تناما شعوري  بالغلبة .

- سأل الهندي  هئ.. هئ  : هل ممكن نأكل الحمامة أستاذ  ؟.

- نعم  أنا أكلتها يا بني وأكلت غزالا , لكن  نحن لا  نأكل الحيوانات المفترسة .  

ثم قصفتني القوات المشتركة متعددة الجنسيات بأسئلة هل يجوز أكل …؟ هل هو حرام ؟ وهل  حلال ؟. ما فائدة الغزال ؟…

 

 

 

 

 

  من زرع في عقول الصغار  التفكير بهذا الشكل وحصر عالمهم الطفولي بحلال وحرام !!!. تذكرت حديث بنت خالي الصغيرة: ماما أنا ما أبغى أروح  للجنة لأن فيها أنهار وأنا لا أعرف السباحة . قطع حبل أفكاري  قذيفة كندية ما معنى  المفترسة ؟ .

 - هي التي تأكل اللحوم .

 -الكندي أستاذ هل يمكننا أكل ما في البحر؟

- نعم .

- لكن الحوت الأزرق لسانه بوزن الفيل, وزعنفته بحجم الطائرة إنه يأكل اللحم وكيف نأكله!.

 ماجد هذا الكندي خرب عليك درس التوحيد. فقد قلبه بأسئلته من توحيد إلى علوم. ووزارتك من عشاق التخصص.  ولست معلم علوم.  إلا إني من المؤمنين بنظرية تداخل المعرفة ولا يمكن فصلها عن بعض . 

- أنقذني البدوي : يا أستاذ أنا أكلت قمري على طلعة وصدته بالنبيلة  .

- الهندي : كيف  اصطدته وأنت أعمى .

- البدوي تسلقت النخلة في الديرة وحملت الكيس  عن ابن  عمي  وفي الصباح شويناه ولم نطبخه على الجز . يقصد  الغاز . 

 فقفز الكندي متفاخرا  برحلت السفاري التي قام بها في كندا وأنه تجول بين الحيوانات بسيارتهم  .

- ودخلنا مبنى بسقف زجاجي والأسود في الأعلى ونحن من تحتها.  

قفز  اليمبعاوي: رحت حديقة الحيوانات بجدة وشفت فراشة , غنمه, كلب .   

البدوي : أنا رميت بسكوت العسكريم للفراشة

- هئ .. هئ .. هئ .

- بس يا هندي كف عن الشهيّقة  ريحة الكاري أعمتنا .

- أستاذ في الهند فيل كبييير.. هئ .. أشرب ماية علشان الحازوقة جتني؟.

- الكندي : أستاذ إيش يعني كلمة حازوقة ؟

- إيييييييييييه .. وغادرت القاعة التي كانت تستعر بمفاوضات حول حيوانات العالم  .

سبعة وثامنهم كلبهم

 

سبعة وثامنهم كلبهم

 

في أسبوعي المنصرم حضنت يدي  رواية  اسمها ساحرة  بورتوبيللو للروائي باولو كويليو .تعرضت للقضية الرقص كدين أو كطقوس  يمارسها بعض الأديان والطوائف .

حقيقة لم يعجبني الكتاب ولم ترضيني ترجمته . ولم يستطع أخراجي من دائرة الصمت  المتيبس  فوق شفتي  .

وحينما كنت البارحة أقلب بين أشرطة الكاسيت المسجل عليها كتبي المنتظرة أبحث بلهفه عن عمل أقرأه في  المدرسة. إني متعطشا  لعمل يرويني  يهزني  يسلبني يقصف كل  مكان أو خندق تختبئ فيه كلماتي وأفكاري . فاحترت بين  روايتين جاهلية ليلى الجهني أوألقيت السلاح امرأة تلقي السلاح  بعد أن شاركت في الحرب اللبنانية .

فآثرت الحرب على الحب حيث  مع شق الصباح  لخيوط ضوئه  سيغير العام الدراسي الجديد .

وأول ما فعلت في هذا  الموسم قمت بهجوم خاطف على جدول مواد لم أدرسها من قبل . غنيمتي كانت تتكون من سبعة تلاميذ .

يبدو أن الحرب العالمية الثالثة ستنشب وتقدح  شرارتها الأولى في فصلي هذا .

حيث يتكون من ألوان الطيف المتضادة .

ففيه الهندي والاريتري واليمني والبدوي والجيزاني  والكندي والينبعاوي. ويقف بينهم أعماهم الكبير الذي سيعلمهم السحر .

كل تلك الدول العمياء الصغيرة تعرفني وأعرفها جيداً إلا ذاك الكندي .

هو أعمى سعودي  يدرس والداه في كندا طب العيون .

الظريف فيه أنه لا يتقن  العربية جيداً فلجأت  لانتقاء كلمات واضحة الدلالة وقطعية  المفهوم .

وإن عجزت قد أسعفه بكلمة إنجليزية تقرب وجهات نظرنا لبعض .

المهم أني لم أذكر أصولهم من باب السخرية ولا من باب التنقص بل  لكي أوضح مدى الاختلاف في فصلي وكيف انهم سيشنون حربا علي من جبهات مختلفة دفعة واحدة .

و كعادة كل عام لم توزع الكتب مبكرا, عادي يمشي الحال نمضي الدرس  في الكتابة .

ولكن لم تصرف الآلآت ولا الأوراق .

أيضاً عادي فقد وظفوا معلم سوبرمان .

نمضي الدرس شفهي . ففكرت أن أورثهم قلق الأسئلة وهوس البحث عن منطقيات الأشياء فاقترحت عليهم أن  نتخيل قصة وكل واحد منكم يا أبنائي عليه أن يكون جملة تناسب التي قالها زميله وتفيد القصة . 

 

 

 

قال الكندي: في مدينتي تورنتو هناك مكتبة ترسل لي بالبريد القصص فأقرؤها ثم أعيدها لهم بالبريد . 

 - يا أحبابي من منكم سبق أن كتب قصة .

قفز الكندي مرة أخرى

 وقال : في مدرستي بتورنتو في نهاية كل عام نطالب بكتابة قصة وتشارك في مسابقة والجوائز لعبة, قبعة, قفاز يد . في مرة  طلبت منا المعلمة كتابة  قصة نذكر فيها مئة شيء .

- مسكين الكندي هذه مقارنه بين  المستحيلات .

- يا أولادي من سبق له أن كتب قصة ؟.

قال الاريتري : أنا قرأت سبعة قصص كتبتها لي أمي ببرايل .

- وأنا يا أستاذ أملي على أمي قصة من خيالي وهي تكتبها بقلمها المبصر .

قفز آخر: يا  أستاذ  معقمي خلص .

وزعت عليهم معقم .  ثم ذهبت ناحية الباب كي أتأكد أفعلاً نفذ سائل التعقيم !! وهناك بحثت جيداً ولم أعثر على علبة المعقم المثبتة على الجدار بل أني لم أعثر على أي أثر لخرم مسمار . فقفزت علامة استفهام كبيرة أمامي .

من الثابت علميا أن الأطفال المعاقين أقل مناعة وأكثر عرضة للأمراض . ولذا يتعين على الإدارة أن تضع معقم يدين هنا .

أم انهم  عمي لا يرون المعقمات التي تقف على أبواب فصول المبصرين كحراس  الكومندوز الأشداء؟؟؟ . أجبت علامة الاستفهام الوقحة لكن الإدارة السخية جزاها الله خيراً ستصرف  لكل تلميذ أعمى كل يوم  كيسان صغيران يستخدمهما مرتان فقط وبقية اليوم يعقم بالبركة .  تركت علامة  الاستفهام تثرثر والتفت لقصة  فراخي العمي الصغار .

 شرع الكندي فقال : كان يا مكان في قديم الزمان كان فيه…

ثم  الاريتري : فتاة تسبح في البحر.

 ثم الجيزاني: اسمها ليلى .

ثم الهندي:  الدلافين تساعدها وتلعب معها .

الينبعاوي : صادقت دلفين غريب .

 اليمني : ممما ما أعرف ؟

قال الكندي: لماذا الدلفين غريب ؟.

 اليمني: كبير الحجم .

الكندي : أقول لك لماذا غريب  يمكن عشان يتكلم !!.

 المعلم السوبرمان : أحسنت فدلفين يتكلم مع فتاة شيء غريب مخالف عن ما تعودنا عليه ومن المعروف أن الدلفين قد يكون كبير, ولكن لا نعرف دلفين يتكلم؟ أكمل يا بدوي .

 

 

 

 فكر وقدر ثم قال: قال لها من أنتي ولماذا تسبحين ؟.

نهض الأريتري: اسمي ليلى وأحب السباحة وأريد أن أتعلمها .

 قال الجيزاني : أيش أسمك يا دلفين ؟.

قال الهندي: اسمي نميرة .

 اعترض الكندي: كيف  الدلفين !! اسم الدلفين نميرة ونميرة اسم بنت ؟

- مشيها يا كندي  فأنت لم تستعمر الهند حتى تعترض عليه , كذلك مدينتك تورينتو تتكلم لغتان الإنجليزية والفرنسية .

قال الينبعاوي : تعالي لنسبح معاً. أتعلمين السباحة ؟.   دورك يا بدوي .

- فكر أاااااا مااااا ما أبغى أكمل  خلي القصة بكرى يا أستاذ .

 قال الاريتري : ولعبوا مع بعضهم .

 قال الكندي : ثم صياد صاد الدلفين .

دورك يا هندي : ولعبت ليلى مع  الدلافين الثانية .

قال الكندي : كيف !. فالصياد صاد نميرة !!.

تدخلت لفض النزاع وحماية الضعيف . يا هندي  ليلى  لا تعرف السباحة  ونميرة قد صادها الصياد كيف تخيل الوضع ؟؟.

قال الهندي : ثم طاحت بالبحر .

- هههه تقصد غرقت قالها الكندي .

- يا أستاذ حر جداً متى تعود  الكهرباء !!!.

Older Posts »