الخلاصات:
تدوينات
تعليقات

زنزانة الورد

زنزانة الورد

ما إن قرأت عنوان قصيدة ( السجينة ) للشاعر إيليا أبو ماضي عبرت أمامي صورة  سجينة ذات ملامح بربرية أصيلة , إلا أن الفارق الزمني بين الشاعر الذي عاش في المهجر أوائل القرن العشرين , وبين تلك السيدة المغربية  التي لازالت تعيش في القرن الواحد والعشرين جعلني على يقين أنها ليست المعنية بالقصيدة.

 فامتلكتني نشوة التأمل هل يمكننا الممازجة بين سجن زهرة في إناء أنيق  والسجينة المغربية مليكة أفقير!؟  .

 تلك الفتاة التي قطفت من بيت أبيها الجنرال أفقير وزرعت بين ردهات وغرف وقاعات القصور الملكية المغربية . ثم حين مل منها , عمدت تلك اليد التي انتزعتها من عائلتها وبيئتها الطبيعية إلى أن تجففها بلا ذنب فألقيت في عتمة السجن لتذبل شيئاً فشيئاً على مدى عشرين عاما ً…

حين كانت في القصر ومن حولها الحياة الناعمة كان يملأها حنين عميق  كحنين الزهرة المسجونة في إناء أنيق, ويعلوها شحوبا  وحزنا كحزن إيليا أبو ماضي  حين رأى زهرة في البرية .

 وللتو يحل الفجر عقد جفونها المغمضة طوال الليل . وشمس الشروق  تهدي النباتات حلية ذهبية رقيقة  لتلمع من بين بتلاتها الغضة  حبات من ندى لؤلؤي . ولكأنه إيليا أبو ماضي  يصور  أرواحنا وهي تخفق بالطمأنينة  على سجيتها الإنسانية النقية . ولكن حينما نجتث من واقعنا , من جذورنا , من بيئاتنا , ويلهو بنا الآخرين كما يشاءون ويرغمونا على ما هم يريدون ,  ويمتلكهم نشوة الاستمتاع وحب التملك والسيطرة  حين  يروننا ونحن نمتطي صهوة  جواد  يحمحم خلف تخوم التلاشي . وتلتقي في وادي الصمت :  قلب الزهرة , وقلوبنا , تخفق مضطربة بصمت  ثقيل لا صدى يصل  لأرواحنا  ولا  يتردد في أرجاء الوادي .  يتضخم خفق القلوب المنطوية على حنينها وهي تقف بمفردها  في مواجهة مباشرة مع قلب الجاني الذي  يبرز أنياب نرجسيته وأنانيته .

 لذا تنتكس الحياة ويتحول معها الغروب لشروق , والنعيم لجحيم .

 الزهر لا يكترث بمظاهر الحياة الفارهة . 

في هذا العالم البديل والطاغي السحر نفقد روعة الدهشة, والبساطة والعفوية , فلا يلفت أبصارنا  بريق الثريات  الكرستالية التي تطل من سقوف القصور , والتي لا  تقارن  بمتعتنا الطفولية   حين نطارد  ومضات الحشرات المضيئة  وهي  تغزل من خيوط الضوء  سجادة  الليل الداكنة  .  وتراقصنا  بين الأغصان والأوراق الخضراء  وانتشاء أمانينا  كالفراشات المتطاير تحت نور الضحى الدافئ  , وأمام خطانا  المرحة  تمتد حلة العمر العشبية  الزاهية. عند تلك العتبة من الأمان عندها  يعبث بنا  الحرمان فيخبو  صوت الحياة وهي تحيا وتتجدد . عندها تذبل  الأزهار في أصاصيها وتمرض  من أنوف المستنشقين و يتبخر شذاها الذاهب , تشحب ألوانها ويخبو بريقها  , وليس هذا السجن للزهر  هو أشد ما تجده إنما القادم أبلغ في التنكر  حين تذبل وتموت ينزعها من قطفها كما نزعها من براءتها الأولى ويلقيها في الطريق لتطأها أحذية العابرين .

 

إيليا أبو ماضي

السجينة

لعمرك ما حزني لمال فقدته .. ولا خان عهدي في الحياة حبيب

ولكني أبكي وأندب زهرة .. جناها ولوع بالزهور لعوب

رآها يحلّ الفجر عقد جفونها .. ويلقي عليها تبره فيذوب

وينقض عن أعطافها النور لؤلؤا .. من الطلّ ما ضمت عليه جيوب

فعالجها حتى استوت في يمينه .. وعاد إلى مغناه وهو طروب

وشاء فأمست في الإناء سجينة .. لتشبع منها أعين وقلوب

ثوت بين جدران كقلب مضيمها .. تلّمس فيها منفذا فتخيب

فليست تحيّي الشمس عند شروقها .. وليست تحيّي الشمس حين تغيب

ومن عصيت عيناه فالوقت كلّه لديه .. وإن لاح الصباح ، غروب

لها الحجرة الحسناء في القصر إنما .. أحب إليها روضة وكثيب

وأجمل من نور المصابيح عندها .. حباحب تمضي في الدجى وتؤوب

ومن فتيات القصر يرقص حولها .. على نغمات كلهنّّ عجيب

تراقص أغصان الحديقة بكرة .. وللريح فيها جيئة وذهوب

وأجمل منهنّ الفراشات في الضحى .. لها كالأماني سكنة ووثوب

وأبهى من الديباج والخزّ عندها .. فراشٌ من العشب الخضيل رطيب

وأحلى من السقف المزخرف بالدمى .. فضاءٌ تشعّ الشهب فيه رحيب

تحنّ إلى مرأى الغدير وصوته .. وتحرم منه ، والغدير قريب

وليس لها للبؤس في نسم الرّبى .. نصيب ، ولم يسكن لهنّ هبوب

إذا سقيت زادت ذبولا كأنما .. يرشّ عليها في المياه لهيب

وكانت قليل الطلّ ينعش روحها .. وكانت بميسور الشّعاع تطيب

بها من أنوف الناشقين توعّك .. ومن نظرات الفاسقين ندوب

تمشّى الضنى فيها وأيار في الحمى .. وجفّت وسربال الربيع قشيب

ففيها كمقطوع الوريدين صفرة .. وفيها كمصباح البخيل شحوب

أيا زهرة الوادي الكئيبة إنني .. حزين لما صرت إليه كئيب

وأكثر خوفي أن تظني بني الورى .. سواء، وهم مثل النبات ضروب

وأعظم حزني أنّ خطبّك بعده .. مصائب شتّى لم تقع وخطوب

سيطرحك الإنسان خارج داره .. إذا لم يكن فيك العشية طيب

فتمسين للأقذار فيك ملاعب .. وفي صفحتك للنعال ضروب

إسارك، يا أخت الرياحين ، مفجع .. وموتك، يا بنت الربيع ، رهيب

ولكنها الدنيا، ولكنه القضا .. وهذا، لعمري ، مثل تلك غريب

فكم شقيت في ذي الحياة فضائل .. وكم نعمت في ذي الحياة عيوب

وكم شيم حسناء عاشت كأنها .. مساوىء يخشى شرّها وذنوب

*******

تبر : الذهب و شبه الشاعر شروق الشمس الذهبي الذي يطلي النباتات بلمعة التبر

مضيمها : الضَّيْمُ الظُّلْمُ. وضامه حَقَّه ضَيْماً: نَقَصه إياه.

الحُباحِبَ : طائر أَطوَلُ مِن الذُّباب، في دِقَّةٍ، يطير فيما بين المغرب والعشاء، كأَنه شَرارةٌ.

الخضيل :العشب الناعم الرطب , العرب تقول: نزلنا في خُضُلَّة من العُشْب إذا كان أَخضر ناعماً رطباً.

الضنى : السَّقِيمُ الذي قد طالَ مَرَضُه وثَبَتَ فيه

أيار : أحد شهور الربيع

 

ابن بطوطة

بعد انتهاء كل محاضرة أو دورة ألقيها أقف لحظة مع نفسي وأعيد شريط الأحداث . وآسائل نفسي ماجد ما الذي استفدته من تلك التجربة؟ .

انبش بين الأحداث والمواقف في وجوه الناس  في نبرات أصواتهم وتعبيراتها و كلماتهم عن خطأ اقترفته أو عبارة لم  تكن بموضعها, أحاول اصطياد كصياد الغابة عن درس أو عبرة استبطنها .

 ففي المحاضرة ما قبل الأخيرة والتي تتحدث عن (خط برايل ) قد  اصطدت أن الحياة مليئة بالبدائل فإننا إن وضعنا هذا المبدأ أمامنا سيتسع لنا المدى .

ولا نحترق نفسياً في مطاردة شيء واحد ننتظره بينما ما من شيء إلا وله بديل .

يقول صاحب قصيدة الأطلال العبقرية والتي بظني حوت ما يعتري قلب الإنسان من مشاعر يصعب التعبير عنها .

أعطني حريتي أطلق يدييّ .

إنني أعطيت ما استبقيت شيئاً !!.

أاه من قيدك أدمى معصمي .

لما أبقيه والدنيا لديّ !!.

لما نبقى في أسر واحد وأمامنا الحياة ملآ بالبدائل .

وفي هذه المحاضرة الأخيرة والتي بعنوان ( خطوات في تنمية المهارات الإدراكية لدى الطفل الكفيف ) تتلخص المحاضرة في هذا السؤال !

معظم البشر يدركون الحياة إدراكاً بصرياً بالدرجة الأولى وأما العمي الذين فقدوا حاسة البصر كيف يدركون الحياة والوجود ؟!

باعتبار أن الكفيف قد فقد نوع من المعلومات البصرية كالطول والعرض والعمق واللون .

لذا إدراك الكفيف  يعتمد على تغذية العقل من خلال معلومات أخرى موازية وبديلة للمعلومات البصرية .

 وعلى تنمية اللغة بحيث يمتلك لغة قادرة على التعبير والبوح .

 و تنمية المفاهيم بحيث يمتلك رؤيا واضحة عن مفاهيم الحياة مثال من باب  التبسيط والفكاهة يحكى أن رجل  أعمى منذ الولادة  أبصر ثم رأى الديك وبعدها على الفور عمي مرة أخرى , فأصبح هذا الديك هو المقياس الوحيد الذي يعرفه .

سمع  أناس يتحدثون عن عنز أطول من أخرى , فقال متسائلاً : أهي أطول من الديك ؟ وسمع آخرين يصفون لون حمار! فقال : تماماً مثل لون ريش الديك . فأصبح هذا المفهوم الديكي المعتمد عنده من هيئة المقاييس الدولية !!!!  

والمهارة الثالثة هي تنمية الحواس المتبقية , إن الحواس تستطيع تقديم لنا معلومات موازية للمعلومة البصرية المفقودة على سبيل المثال , في هذه الأيام هل تعلمون أنه هبط علينا بعض الطيور المهاجرة ؟

كيف يدرك الأعمى هذه المعلومة البصرية ؟.

سأخبركم ولكن بشرط أن لا تبتسموا .

من فتحات مكيف الهواء !! حقيقة منها , ففي  بيئتنا مسكينة الطيور لا تجد مكاناً  ذا ظل بارد وبعيد عن مشاغبات الأطفال أو هجوم  قطط الشوارع سوى أن تبني فوق المكيفات أعشاشها الغضة . فتصدح مكيفاتنا بنعيق الغربان , وهديل الحمام , وشقشقة العصافير .

وفي هذه الأيام لاحظت غياب كل هذه الأصوات التي تغرد بها مكيفاتنا . فيفاجئني وأنا أكتب على الكمبيوتر أو أقرأ في المدونة شقشقة عصفور  ليست كالعصافير التي أعهدها .

إنه طائر مهاجر قادر على التنغيم وإصدار أكثر من سبعة أصوات متعددة ومختلفة . حادة قصيرة , طويلة متمددة , خشنة ناعمة , مستجدية ضعيفة , متحفزة مباغتة .. إلخ .

من هنا لو نستطيع تنمية مهارات الحواس المتبقية أننا  سنكتشف وجه آخر  للعالم كما اكتشف كريستوفر كولومبس أمريكا  , وسيستطيع الأعمى التحليق في عالم الخيال .

أليس الخيال هو محاولة الممازجة بين الواقعي و اللاواقعي . إذا ما هو الواقع والمتخيل  بالنسبة للأعمى وما هو الحد البرزخي الفاصل بينهما ؟.

يقول المعري :

ليلتي هذه كعروس من الزنج … عليها قلائد من جمان .

هنا يشبّه ليله الحالك بعروس زنجية يزدان نحرها بعقد جمان متلألئ .

ويقول البردوني :

الآمال شهب معلقة …على أهداب تمثال من العتمة .

هل رأى البردوني الشهب التي تخترق وجه السماء ؟.

وهل تحسس بيديه أهداب تمثال العتمة ؟.

من هذه المحاضرة اكتشفت قارة جديدة وعالم غير بصري , ربما أحاكي بهذا أحد الرحالة القدماء من يدري ؟؟!!

 

بحر من الأسئلة

قبل أعوام مرت كنت  قرأت في كتاب أن مشلول استطاع عبور بحر المانش سباحة !.

أن يأتي الإنسان بأمر خارج قدرته أو فوق طاقته هذا يدعو لتساؤل عن الدافع . أهي  الرغبة في التعويض ؟ أم أن الحياة وظروفها قد تجعلنا نقترف المشقات والخوارق  كخيار لا مناص ولا فرار منه ؟.

وحتى لا نبتعد كثيراً منذ عام 1998 م كان يشغلني أمر ما. ابتدأ بتساؤل طرحه علي أحد الدكاترة الذين درسوني بالجامعة (هل الأعمى يحلم ؟ وكيف ؟). هذا السؤال فاجأني وباغتني و شظّاني وبددني , سقطت في قاع عقلي و فظللت أهوي وأرسم دوائر  تتوسع شيء فشيء حتى الآن ,وقد وضعني بمجابهة عارية مع ذاتي .

 على الرغم من عماي الممتد من زمن وجودي كجنين في رحم أمي حتى يومي هذا كرجل لم يبلغ سن الحكمة بعد , لم أجد جواب سريع وتلقائي يفسر كيف يتكون عالم الأحلام  عند العمي؟ وما هي العلاقة بين الحلم و الخيال ؟ وكيف وصف لنا العمي صوراً معطياتها بصرية!

ثم ينقلنا هذا التصوير لتساؤل آخر  ما هي مقاييس الجمال في الطبيعة وكيف ينعم بها ويدركها  في تناغما معها أليست الحياة والأشجار والغيوم والبحر وفصول الطقس مشاهد ملونة  لا تتوقف عن  العدو  أمام أعيننا  ؟.

ولنفتح كوة بجانب هذه كثير ما ربط الشعراء بينهما , الطبيعة والمحبوبة فيشبهونها شعراء الغزل بأوصاف من الطبيعة إما نباتية كغصن البان والعناب والنرجس و الخزامى وورد الخدود وجه كوجه القمر وحاجب كالهلال وعينان كالبحر الأزرق إلخ …

 يقول الخليفة الأموي يزيد بن معاوية :

         وأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ….ورد وعضت على العناب بالبرد.

 من هنا ينبت غصن سؤال  ما هي مقاييس الجمال لدى العمي  في المرأة؟ فانكفأت على ذاتي أرقبها وألاحظها وأسجل واجمع عنها معلومات عليّ أجيب على تلك الأسئلة .

 ثم تناقشت مع رفاق عمي من مستويات علمية مختلفة وبعدها مقارنات مع الأخوة الأعداء من الفريق الآخر من  المبصرين هههه .

لا ازعم أني اكتشفت شيء لم يكتشفه أحد بل يمكنني القول أني حاولت أن أفهم ذاتي واقترب منها أكثر . ما يدفعني للكلام عن هذا الموضوع العريض والمحيط المتلاطم هو أن جماع الأمر يتركز في تنمية مهارات الإدراك لدى الكفيف . والتي تيسر له التقاط وجمع المعلومات ثم تصنيفها وأعادت إنتاجها إنتاجاً ملهماً ومن تلك المهارات تنمية الحواس المتبقية , تنمية اللغة , تنمية المفاهيم , وتنمية الخيال  . في الحقيقة كل ما سبق من تساؤلات كنت أعرضها في الدورات والمحاضرات المتناثرة  بشيء من الإشارة والاقتضاب لكن في هذه المحاضرة والتي ستقام إنشاء الله سأتجرأ وأحاول طرق وطرح الموضوع برمته للنقاش مع الحضور الكرام عنوان المحاضرة “خطوات في تنمية المهارات الإدراكية لدى الطفل الكفيف ” دعاؤكم لي  عليّ أوفق . 

ملحوظة / في مساء الاثنين والموافق 10/2/ 1431 هـ  حتى الأربعاء 12/2/ 1431هـ  ستقام سلسلة من المحاضرات ضمن فعاليات اليوم العالمي للطفل المعاق . وذلك من الساعة الخامسة حتى الثامنة مساءً بالمستشفى الألماني بجدة والدعوة مفتوحة للجميع و بلا رسوم .

علماً أن موعد محاضرتي يوم الاثنين الموافق 10/2/1431هـ من الساعة 7م حتى 8م .

سفر

في كل مساء أتذوق مع رشفات القهوة قصصا تذوب داخلي وهي تمتزج بحبات  الشوكلا , وقد  التقطت من بين أكوام الجليد الأبيض  المندوف , وأغصان الشجر العارية, وأوراق الغابة الملتفة الأفنان .

ثم جمعت في سفر محمد المخزنجي . وحتى لا أفسد روعتها بأحرفي آثرت أن تتذوقوها كما تذوقتها .

 

 

سيد في الجليد

يا عيني يا عيني ! حتى هنا أيضا . سادة و عبيد ! سيد , بل ملك , يجلس على الزلاقة و قد تدثر جيداً . غير عابئ بهرولة المترجلين من حوله . غير عابئ  بندف الجليد تتساقط سابحة من فوقه . غير عابئ بدرب الجليد الأبيض القارس من تحته . لم لا .. وهو قد تدثر جيداً . وحذاءاه لا يلامسان حتى سطح الجليد , فهو راكب , وثمة من يشد الزلاقة . أعبد للجر ؟ وسيد للركوب ؟ حتى هنا ؟ يا سيدي يا سيدي ! يقلب وجهه المطمئن في أركان العالم من حوله , ويلفت نظره شيء ما .. يريده .. ويرفع يده مشيراً بالتوقف , ينادي من يجر ” ماما .. ماما ” فتسرع عند قدميه .. آه ما أحلى العبد , و ما أجمل سيده , وما أكثر ما يهفو قلب الأعزب الغريب إلى دفء العبودية , في مثل هذا الجليد .

 

سفر / محمد المخزنجي ص 17 

 

 

الحارس

لا أعرف ما الذي لفتني بشدة إلى حماقة الولد الخاصة وسط صخب الأولاد في حديقة الثلج .. كان يدحرج قطعة متجلدة من الثلوج انتزعها من مكانها قرب السور السلكي .. يدحرجها قليلاً ثم يحملها بين يديه و يربت عليها و يدورها و يسويها ثم يعود يدحرجها من جديد .. بينما كان الأولاد يسوون أشيائهم من الثلوج و قد توزعوا بين جذوع الأشجار العارية .. من يسوي دمية تستند على جذع , و من يسوي دباً برأس و أذرع كلها مدورة , و من يسوي حملاً نائماً على جنبه , و أرنب, و جراء بآذان منتصبة , و أخرى مدلاة .. كلها من الثلوج .

كان الأولاد في حديقة الثلج هذه متدثرين جيداً من دببة لطيفة .. تتأرجح قفازاتهم المخلوعة المربوطة بالأكمام مهم يعملون بهمة وصخب .. وتتطاير أصواتهم الصغيرة العذبة بين الأشجار .

بينما كان الولد وحده منزويا و يعمل في صمت .

كان لا يزال ينحني و يدحرج , و يستوي ليسوي , ويعود ينحني ليدحرج , فسئمت التطلع إلية و رحت ببصري إلى لمة الأولاد أتأمل كائناتهم الصغيرة التي صنعوا , لكنني مثل من ينجذب بقوة غامضة , ألتفت بعد وقت قليل فاندهشت للكرة الهائلة من الثلوج راح يدحرجها الولد أمامه , وهي أعلى كثيراً من قامته . من أين أتت هذه الكرة ؟ ومتى أتى بها ؟

و أعثر على الإجابة أمامي إذ صارت الكرة تتنامى في هذه المرحلة باطراد كأنها توشك أن تتضاعف حجمها مع كل دحرجة , و يستعصي على الولد دفعها بينما الأولاد الذين تركوا كائناتهم الصغيرة وقفوا يتطلعون إليه في انبهار .

استقرت الكرة الهائلة عند المدخل , وتعاونوا لعمل رأس بقبعة لهذا الجسم المتكور الضخم , و أحضروا له عصا من فرع يابس , و أخذوا يتصايحون مطلقين عليه لقب ” حارس الحديقة ” . حارس الثلوج الذي تابعته يتكون على مهل , على مهل , ثم إنه أطال المكث أمامي و لم يندثر سريعاً كغيره من كائنات الثلوج .

 

سفر / محمد المخزنجي ص 41-42

باب الطلسم

 

باب الطلسم

 

   بساط أثيري يمتد مدى الأفق وعلى جنباته تنمو ورود من  الشوق وأشواك  من  الخوف. اعبره  وكلي خشية  أن قد غيبوه واستبدلوه بآخر ينكرني ولا يعرفني . إلا أني أبصرته هناك في موضعه القديم.  أركض إليه  كطفل ملؤه  الفرح والحنين عائدا  لبيته لعالمه الصغير .  يا الله هذا باب جدتي .

 رآني فابتسم لي  وقد تهللت  دوائر عروقه الخشبية  الداكنة . ارتميت على صدره المتثني  الناعم , لاعقا الدمعتان المتكلستان على وجهه ذو اللون  السندياني  العميق  . 

  تحفز  رتاجه العريض كحاجب يفدي باب جدتي العتيق , لثمت يده العريضة  المتصلبة من  تزاحم غبار  الزمن عليها . كان  فمه الواسع  الأدرد يزفر هواء بارد ينبعث من الداخل .

 يا باب جدتي ما بك ! كانت أنفاسك حارة بالحياة . تراجعت خطوة للخلف حتى أمتع ناظري به  . لازالت وقفته هي هي  يقف باعتداد بشموخ بثقة  على الرغم  من تصاريف الزمن .  ولازال ترفّعه عن الأرض هو هو وكأنه باب نُجر للسماء. في منتصف ذرفته اليمنى تتشبث حلقة نحاسية رشيقة  , وفي أعلى قوسه الواسع خطوط باقية  كوسام شرف  من زمن  الشرف .

  قال:  يا صغيري أتتذكر هذا الرسم المنقوش ؟.

  أممم .. تدفق الدم  في رأسي, تضاربت نبضات قلبي , وتورمت عروقي  تذكرت نعم تذكرت  إنها استدارت قرص الشمس  قبل أن يحجبها  المغيب  القاني.

 ثم أشرع ذراعيه بلهفة  هيت لك , أقبل! .

 ومن خلفه  كان  الأفق مترع بغلالة من  عجاج يتراقص تحت القمر الشاحب .

 كل  الدروب تجذبني إليها وقد  تحولت لذاكرة عصية على دوامة  النسيان.   نهضت  نخلة البرحي وغدائرها ترفرف من حولها .  مددت بصري لأرى بيت جدتي  . فرأيت بيتها الحنون وفوقه سماء  بغداد تمطره دما .

من مراسلات الضحيان

 كتب إليّ الصديق إبراهيم الضحيان قائد ( فريق الجسد الواحد التطوعي ) في مدينة الخبر رسالة حوت الكثير من المعاني الإنسانية العميقة , والتي وقعت فيّ مبلغا جعلني أعيد التفكير في الكثير مما يعبرنا في دولاب الحياة أشخاص , ومواقف , وتعرية لحقيقة التي  نبحث عنها لاهثين  .  لذا آثرت أن أضعها هنا وتتأملوا معي ذاك الموقف الذي مر به الصديق الرائع  .

قصة بعنوان : نواف في مدينة الاشواك

..

هذه قصة كتبتها وحبيت أن  شاركني المشاعر

 

حروف متناثرة ترسم لوحة حائرة , تنبعث منها رائحة الأمل يشوبها اليأس من واقع مرير , يحدق بها القدر من كل صوب , عاشت أسيرة النظرات البائسة التي ” لا تسمن ولا تغني من جوع ” بل تزيد من لوعة العذاب .

 يسكن

نواف في دار الرعاية الاجتماعية , ليس لشيء إلا أنه ” معاق ” ..

 

نواف .. لا يزال في عنفوان شبابه فهو ابن العشرين سنه , ارتسم على وجهه دقن خفيف يحدد به ملامح الوجه الباسم , تطل ابتسامته الصافية بين الحين والآخر , تسكن عينيه اللامعتين تحت حواجب سوداء متقطعة , لم يكن يحمل عقل ناضج أو مكتمل النمو .

 

زيارتي الأولى للدار وطدت علاقتي مع ” نواف ” الذي بدأ يرمقني بنظرات سارقة, كنت أبادله الابتسامة بحذر , فأنا لا أعلم ما يخفيه خلف الثغر الباسم , أو ربما يطيش عقله فيتحول إلى مخلوق جارح !

تجولت قي أرجاء الدار ولا زال يرافقني ..

و بين الحين و الآخر .. يسرق النظر بحذر و يقترب شيئا فشيئا ..

حتى وقف أمامي قاطعا طريقي و قد أعلن الموقف الحاسم .. فأوسعني بابتسامة خرجت بها جميع أسنانه تعلن عن علاقة جديدة مسالمة .. مددت يدي مصافحا ثم معانقا , ثم مودعا .. مرت تلك اللحظات سريعا , ودعته كما قابلته بصمت يصاحبه ثغر باسم ..

 

 

مرت الأيام على عجل ولا زال ” نواف ” يتردد في مخيلتي .. فهو كحلم مر سريعا , لا تستطيع أن تعيش تفاصيله .

عدت إلى الدار لموعد مع مديرها , أوقفت سيارتي .. بدأت معالم العالم الآخر تظهر شيئا فشيئا ..

 

فذاك ” ماجد ” يجلس عند بوابة الدار على كرسيه المتحرك وهو يقلب وجهه ببطء , كان ضحية لحادث سير أصابه بشلل نصفي وتشوه في نصف وجهه مع ثقل في اللسان ..

رفع يده من بعيد مرحبا ومستقبلا بحرارة .. بادلته المشاعر على عجل ..

 

دخلت الدار .. بدأت أقلب نظري في تلك الممرات التي أشبه بأن تكون مبنى لمستشفى حديث ..

أنصت بحذر لكل صوت قادم , فتسمع الصراخ و الضحك و تمتمات لا تكاد تفقه منها شيء , أسرعت المسير حتى وصلت إلى مطلبي ..

- الأستاذ محمد ..

- نعم ..

- معك .. إبراهيم ..

- حياك الله يا هلا , تو ما نور الدار

- تسلم , منور با هله

- تعال معي في مكتبي , المكان هنا غير مناسب ..

-

لم يكن مناسب !! بالفعل كان محاطا بأبناء الدار – كما يسميهم – فترى من هو فوق الطاولة و آخر بالكرسي المقابل و ثالث واقف على رأسه , ورابع يحوم علينا بتلك النظرات الغريبة

 

توجهنا إلى مكتب .. واسع حديث التأثيث متناسق الألوان , تقف بأناقة شاشة الحاسب الآلي ” البلازما ” على طاولة مترامية الأطراف , و لوحة المفاتيح البيضاء تضع بصمه ” كلاسيكيه ” , وشجيرات بألوان مختلفة تزين زوايا المكتب ..

 

بدأت بالحديث الودي وأنهيت مهمتي . أدلفت خارجاً من المكتب , و لازلت ابحث عن صديقي القديم .. فلم أجده , خرجت من البوابة الرئيسية , وجدت نواف يمشي وحيدا بخطى متأرجحة , يقلب رأسه في السيارات الواقفة ..

ممسكا ” بريال ” في يده يكاد يلفظ أنفاسه من شدة تشبث نواف به ..

 

ذهبت إليه مسرعاً ..

- نواف .. كيف حالك ؟

- بصوت عير واضح ” الحمد الله بخير ”

- عرفتني ..

هز رأسه وبابتسامته المألوفة

- ما شاء الله عليك عندك ريال .. ها تشتري سيارتي بريال ؟

زادت ابتسامته أتساعا وبدأ يقلب السيارة بعينه واخذ يحوم على السيارة و كأنه صاحب أكبر معارض في الدمام ,

أحسست بالورطة القادمة ..

 

ماذا إذا قرر الشراء , كيف سأتخلص منه .. تساؤلات كثيرة دارت في مخليتي ..

ازداد خوفي عندما قرب وجهه نحو الزجاج الخلفي , قاصدا بأن يرى ما بداخل السيارة .. فحاولت أن أتخلص من هذا الموقف ..

ركبت سيارتي , و أنزلت الزجاج الأمامي وقلت على عجل ..

- توصي شي ؟

- مد رياله إلى وقال خذ الريال .. قلت في نفسي ” والله الورطة .. القرادة ماتفك مني ”

- ابتسمت له وقلت : خلاص بتشتريها ؟

- قال لي بصوت خافت ,, لا , خذ الريال هدية مني ..

 

 

لم أتمالك نفسي حين وجدت نفسي اغرق قي جمود للمشاعر , فاضت على إثرها عيني بدموع خجلت من تلك العواطف المتفجرة من ذاك القلب الحنون , لم أكن اشعر بما حدث بعدها من مواقف إلا و أنا خارج أسوار الدار وممسكا بيدي تلك الهدية الغالية .

 

دائما ما أسائل نفسي كيف تولد الفكرة ؟.
أنحن نستدعيها أم هي التي تجذبنا كمغنطيس لعالمها ؟.وعلى الرغم من كل الآلام التي تعبرنا ساعة المخاض ألم يصاحب بأرق بمعاناة بنزيف داخلي في عمق الوجدان . لكنه ينشر الطمأنيينة والهدوء والشعور بتجدد الحياة بانسلاخ جيدنا المهترء وتبديله بجيد ثاني ناعم غض نظيف خالي من الندبات . وما أن نقترف ونقتحم الحياة بهذا الجيد حتى يتمزق لتضخم ذواتنا المحتقنا فيضيق الجيد الذي كان .
ثم تعود لنا تلك المرحلة التي تولد فيها الفكرة من جديد وهكذا في ديمومة متخلقة .
ومن أفضل ما قرءت عن عالم التي تولد فيه الأفكار ما كتبه محمود درويش في كتابه أثر الفراشة وكتابه في حظرة الغياب . أسطرا يعاني قلمي العي في وصفها .

اللوحة والإطار

إذا انكسر إطار اللوحة , بسبب هزة أرضيّة خفيفة , تحميل
اللوحة إلى صانع أُطرٍ ماهر , فيضع لها إطاراً رُبَّما أجمل .
أما إذا تشوّهت اللوحة , بسبب خلل فنّي أصليّ, و بقي إطارها
سليماً , فلن تحتاج إليه إلاّ إذا نقص الحطب في المدفأة .
كذلك هي الفكرة : إذا انكسر إطارها وجدت لها إطاراً أقوى
و أصلب . أما إذا انكسرت الفكرة , فلن يكون إطارها السليم
غير ذكرى حزينة , تحتفظ بها كما يحتفظ راع خائب بجرس
كبش من قطيعه ,افترسته الذئاب .
أثر الفراشة / يوميات محمود درويش ص 147-148

* * *

ومن ديوان في حظرة الغياب هذه الأسطر العميقة ص 99- 100 ” خذني إلى ما لست أعرف من صفات النهر ( خذني ) جملة موسيقية كهذه تشق طريقها في مجرى الكلام , حنيناً يتكون , ويكوّن ملامح صوت ووعداً بقصيدة . لكنها في حاجة إلى فكر يقودها وتقوده في مناخ الأمكانيات المقترحة, و إلى أرض تحملها و إلى قلق وجودي و إلى تاريخ أو أسطورة . ألسطر الأول هو ما سمّاه الحائرون , إزاء مصدره , الإلهام أو الأشراق . الباقي عليك وحدك . عليك أن تجد الباقي وعناصر البناء الكفيلة بصب الشعر ,شعر الحياة , في نظام القصيدة . فمنذ هبط عليك السطر الأول أصبحت أنت الصانع الماهر والشاعر إن حالفك الخط و أدركت الخطأ ”

ص 105 ” كم كنت تمقت الأرق ! لأنه يستعصي علي المحاورة , عنيد شديد المراوغة سعيد بقدرته على المناورة ”

حفار القبور

اللهم يا رحمن يا رحيم . يا الله  يا بر  يا رؤوف . يا ولي المؤمنين . يا إلاهي . أرحمن كل من غرق في هذا السيل . يا من رحمته وسعت كل شيء .  يا أكرم الأكرمين . تولاهم بعفوك وأسكنهم بفسيح جناتك .

 هدم  وغرق وجثث تعوم .

   وأطفال ونساء مفقودين  .

وسيارات مكومة , وبيوت غارقة  , وبرك مزجت  بما   السماء الطاهر , ومائنا الآسن العكر بذنوبنا بإفكنا بكذبنا بتحايلنا . تساؤل إن لم تكن هذه كارثة فما الكوارث .

عذر منكم أحبتي فقد تلمسون في توينتي الأخيرتان أسا وحرقة وألم وأنين لكن هذه الحياة .   حيث عجز القلم عن الكتابة والمضي والهاث خلف المعاني لكن  قصيدة السياب قد تنقل شيء من ذاك .

حفار القبور

 

رقم القصيدة : 68107

نوع القصيدة : فصحى

ملف صوتي: لا يوجد

 

ضوء الأصيل يغيم كالحلم الكئيب على القبور

واه كما ابتسم اليتامى أو كما بهتت شموع

في غيهب الذكرى يهوم ظلهن على دموع

والمدرج النائي تهب عليه أسراب الطيور

كالعاصفات السود كالأشباح في بيت قديم

برزت لترعب ساكنيه

من غلرفة ظلماء فيه

وتثاءب الطلل البعيد يحدق الليل البهيم

من بابه الأعمى ومن شباكه الخرب البليد

والجو يملؤه النعيب

فتردد الصحراء في يأس واعوال رتيب

أصداءه المتلاشيات

والريح تذروهن في سأم على التل البعيد

وكأن بعض الساحرات

مدت أصابعها العجاف الشاحنات الى السماء

تومي الى سرب من الغربان تلويه الرياح

في آخر الأفق المضاء

حتى تعال ثم فاض على مراقيه الفساح

فكأن ديدان القبور

فارت لتلتهم الفضاء وتشرب الضوء الغريق

وكأنما أزف النشور

فاستيقظ الموتى عطاشى يلهثون على الطريق

وتدفع السرب الثقيل

يطفو ويرسب في الأصيل

لجبا يرنق بالظلام على القبور الباليات

وظلاله السوداء تزحف كالليالي الموحشات

بين الجنادل والصخور

وعلى القبور

وتنفس الضوء الضئيل

بعد اختناق بالطيوف الراعبات وبالجثام

ثم ارتخت تلك الظلال السود وانجاب الظلام

فانجاب عن ظل طويل

يلقيه حفار القبور

كفان جامدتان أبرد من جباه الخاملين

وكأن جولهما هواء كان في بعض اللحود

في مقلة جوفاء خاوية يهوم في ركود

كفان قاسيتان جائعتان كالذئب السجين

وفم كشق في جدار

مستوحد بين الصخور الصم من أنقاض دار

عند المساء ومقلتان تحدقان بلا بريق

وبلا دموع في الفضاء

هو ذا المساء

يدنو وأشباح النجوم تكاد تبدو والطريق

خال فلا نعش يلوح على مداه ولا عويل

الا النعيب

وتنهد الريح الطويل

وعلام تنعب هذه الغربان والكون الرحيب

باق يدور يعج بالأحياء مرضى جائعين

بيض الشعور كأعظم الأموات لكن خالدين

لا يهلكون علام تنعب ان عزرائيل مات

وغدا أموت غدا أموت

وهز حفار القبور

يمناه في وجه السماء وصاح رب أما تثور

فتبيد نسل العار تحرق بالرجوم المهلكات

أحفاد عاد باعة الدم والخطايا والدموع

يا رب ما دام الفناء

هو غاية الأحياء فأمر يهلكوا هذا المساء

سأموت من ظماء وجوع

ان لم يمت هذا المساء الى غد بعض الأيام

فابعث به قبل ااالظلام

يا رب أسبوع طويل مر كالعام الطويل

والقبر خاو يفغر الفم في انتظار في انتظار

ما زلت أحفرةه وبطمر الغبار

تتثاءب الظلماء فيه ويرشح القاع البليل

مما تعصر أعين الموتى وتنضحه الجلود

تلك الجلود الشاحبات وذلك اللحم النثير

حتى الشفاءه يمص من دمها الثرى حتى النهود

تذوي ويقطر في ارتخاء من مراضعها المغير

واها لهاتيك النواهد والمآقي والشفاه

واها لأجساد الحسان أيأكل الليل الرهيب

والدود منها ما تمناه الهوى واخيبتاه

كم جثة بيضاء لم تفتضها شفتا حبيب

هل كان عدلا أن أحن إلى السراب و لا أنال

إلا الحنين و ألف أنثى تحت أقدامي تنام

أفكلما اتقدت رغاب في الجوانح شح مال

ما زلت أسمع بالحروب فأين أين هي الحروب

أين السنابك و القذابف و الضحايا في الدروب

لأظل أدفنها فلا تسع الصحارى

فأدس في قمم التلال عظامهن و في الكهوف

فكأن قعقهة المنازل في اللظى نقر الدفوف

أو وقع أقدام العذارى

يرقص حولي لا عبات بالضصنوج و بالسيوف

نبئت عن حرب تدور لعل عزرائيل فيها

في الليل يكدح و النهار فلن يمر على قرانا

أو بالمدينة و هي توشك أن تضيق بساكنيها

نبئت أن القاصفات هناك ما تركت مكانا

إلا وحل به الدمار فأي سوق للقبور

حتى كأن الأرض من ذهب يضاحك حافريها

حتى كأن معاصر الدم دافقات بالخمور

أواه لو أني هناك أسد باللحم النثير

جوع القبور و جوع نفسي في بلاد ليس فيها

إلا أرامل أو عذارى غاب عنهن الرجال

وافتضهن الفاتحون إلى الذماء كما يقال

مازلت أسمع بالحروب فما لأعين موقديها

لا تستقر على قرانا ليت عيني تلتقيها

و تخضهن إلى القرار و كالنيازك و الرعود

تهوي بهن على النخيل على الرجال على المهود

حتى تحدق أعين الموتى كآلاف اللآلي

من كل شبر في المدينه ثم تنظم كالعقود

في هذه الأرض الخراب فيا لأعينها و يا لي

رباه إني أقشعر أكاد أسمع في الخيال

أغنية تصف العيون

تنثال من مقهى فأنصت في الزحام و ينصتون

و كأن ما بيني و بين الآخرين من الهواء

ثدي سخي بالحليب و بالمحبة و الأخاء

يا رب أسبوع يمر و لست أسمع من غناء

إلا النعيب

و تنهد الريح الرتيب

واخيبتاه ألن أعيش بغير موت الآخرين

و الطيبات من الرغيف إلى النساء إلى البنين

هي منة الموتى علي فكيف أشفق بالأنام

فلتمطرنهم القذائف بالحديد و بالضرام

و بما تشاء من انتقام

من حميات أو جذام

نذر علي لئن تشب لازرعن من الورود

ألفا تروى بالدماء و سوف أرصف بالنقود

هذا المزار وسوف أركض في الهجير بلا حذاء

و أعد أحذية الجنود

و أخط في وحل الرصيف وقد تلطخ وقد تلطخ بالدماء

أعدادهن لأستبيح عدادهن من النهود

و سأدفن الطفل الرمي و أطرح الأم الحزينة

بين الصخور على ثراه

و لسوف أغرز بين ثدييها أصابعي اللعينة

و يكاد يحنقها لهاثي و هي تسمع في لظاه

قلبي ووسوسة النقود نقودها و اخجلتاه

أنا لست أحقر من سواي و إن قسوت فلي شفيع

أني كوحش في الفلاء

لم أقرأ الكتب الضخام و شافعي ظمأ و جوع

أو ما ترى المتحضرين

المزدهين من الحديد بما يطير و ما يذيع

مهما ادنأت فلن أسف كما أسفوا لي شفيع

أني نويت و يفعلون و إن من يئد البنين

و الأمهات و يستحل دم الشيوخ العاجزين

لأحط من زان انتهك الغزاة و ما استباحوا

و القاتلون هم الجناه و ليس حفار القبور

و هم الذين يلونون لي البغايا بالخمور

و هم المجاعة و الحرائق و المذابح و النواح

و هم الذين سيتركون أبي وعمته الضريره

بين الخرائب ينبشان ركامهن عن العظام

أو يفحصان عن الجذور و يلهثان من الأورام

و الصخر كالمقل الضريرة

و سيوثقون بشسعر أختي قبضتي و كالظلام

و كخضة الحمى تسمرها على دمها صدور

تعلو و تهبط باللهاث كأنهن رحى تدور

يا مجرمون إلى الوراء فسوف تنتفض القبور

و تقيء موتاها و يا موتي على اسم الله ثورا

رباه عفوك إن قابيل المكبل بالحديد

في نفسي الظلماء هب وقر يعصره الملال

فالليل جاء و ما أزال

مستوحدا أرعى القبور و أنفض الدرب البعيد

و كأن يا بشرى كأن هناك في أقصى الجنوب

خطا كأذيال الظلام و لمعة كدم الغروب

لكأنه ضيف جديد

و بدا الجناز و راح يشهق و هو يدنو في ارتخاء

الأوجه المتحجرات يضيئها الشفق الكئيب

و الغمغمات الخافتات من انفعال أو رياء

و النعش يحجبه غطاء

ألوانه المترنحات كأنما اعتصر المغيب

فيها قواه و ذاب فيها كوكب واهي الضياء

حتى إذا انهال التراب و صفح القبر الجديد

و تراعش الألق الضئيل على الظهور المتعبات

حتى اضمحل و غيبتها ظلمة الأفق البعيد

كانت مصابيح السماء تذر ضوءا كالضباب

بين القبور الموحشات

و على الخرائب و الرمال و كان حفار القبور

متعثر الخطوات يأخذ دربه تحت الظلام

يرعى مصابيح المدينه و هي تخفق في اكتئاب

وز يظل يحلم بالنساء العاريات و بالخمور

و تحسست يده النقود و هيأ الفم لابتسام

حتى تلاشى في الظلام

-2- النور ينضح من نوافذ حانه عبر الطريق

و تكاد رائحة الخمور

تلقى على الضوء المشبع بالدخان و بالفتور

ظلا كألوان حيارى واهيات من حريق

ناء توهم في الدجى الضافي على وجه حزين

و تلوح أشباح عجاف

خلف الزجاج تهيم في الضوء السرابي الغريق

و يشد حفار القبور على الزجاجة باليمين

و كمن يحاذر أو يخاف

يرنو إلى الدرب المنقط بالمصابيح الضئال

و تحركت شفتاه في بطء و غمغم في انخذال

أظننت أنك سوف تقتحم المدينه كالغزاه

كالفاتحين و تشتريها بالذي ملكت يداك

بأقل من ثمن الطلاء القرمزي على شفاه

أو في أظافر لاحقتها ذات يوم مقلتاك

سأعود لانهد تعصره يدي حتى الذهول

حتى التأوه و الأنين و صرخة الدم في العروق

و السكرة العمياء و الخدر المضعضع و الأفول

و الأذرع المتفترات يلون الضوء الخفوق

هزاتها المستسلمات و ينفح الدم و العبير

ظل لهن على السرير

الأذرع المتفترات و زهرتان على الوساد

نسجتهما كف مخضبة الأظافر زهرتان

تتفتحان على الوسادة كالشفاه و تهمسان

نغما يذوب إلى رقاد

و تألق الجيد الشهي و لفحة النفس البهير

و النور منفلتا من ال|أهداب تثقله الطيوب

قلقا كمصباح السفينه راوحته صبا لعوب

و تخافق الأظلال في دعة ووسوسة الحرير

و الحلمتان أشد فوقهما بصدري في اشتهاء

حتى أحسهما بأضلعي و أعتصر الدماء

باللحم و الدم و الحنايا منهما لا باليدين

حتى تغيبا في صدري إلى غير انتهاء

حتى تمصا من دماي و تلفظاني في ارتخاء

فوق السرير

و تشرئبا

ثم نثوي جثتين

لولا التماعات الكواكب و انعكاس من ضياء

تلقيه نافذة ووقع خطى تهاوى في عياء

يصدى له الليل العميق و حارس تعب يعود

و سنان يحلم بالفراش و زوجه تذكي السراج

و تؤجج التنور صامته و أخيلة اللهيب

تضفي عليها ما تشاء من اكتئاب و ابتهاج

ثم اضمحل الحارس المكدود و النغم الرتيب

وقع الخطى المتلاشيات كأنه الهمس المريب

ما زال يخفق من بعيد

و تململت قدمان و ارتفعت يد بعد انتظار

و هوت على الباب العتيق فأرسل الخشب البليد

صوتا كإيقاع المعاول حين إدبار النهار

بين القبور الموحشات و أطبق الصمت الثقيل

و أطل من إحدى النوافذ و هي تفتح و ارتياب

وجه حزين ثم غاب

و تحرك الباب المضعضع و هو يجهش بالعويل

و تقول أنثى في اكتئاب

ضيف جديد ثم تفرك مقلتيها في فتور

و يظل يزحف كالكسوف يحجب الألق الضئيل

عن وجهها ظل يقيدها بحفار القبور

-4-

في زهوة الشفق الملون حيث يحترق النهار

في عودة الرعيان أشباحا يظللها الغبار

في ساعة الشوق الكئيب إلى شواطيء كالضباب

و إلى أكف مخلصات

و إلى أغان مبهمات هائمات في شعاب

أنأى من الأصداء تغشاها نجوم ساهمات

في ساعة الشفق الملون كان إنسان يثور

بين الجنادل و القبور

نفس معذبه تثور

بين الجنادل و القبور

أأظل أحلم بالنعوش و أنفض الدرب البعيد

بالنظرة الشزراء و اليأس المظلل بالرجاء

يطفو و يرسب و السماء كأنها صنم بليد

لا مأمل في مقلتيه و لا شواظ و لا رثاء

لو أنها انفجرت تقهقه بالرعود القاصفات

لو أنها انكمشت وصاحت كالذئاب العاويات

فات الأوان فخط لحدك واثو فيه إلى النشور

لو أنها انطبقت علي كأنها فم أفعوان

لو أنها اعتصرت قواي

و مات ظل الأرجوان

في آخر الأفق البعيد و لألأت قطرات نور

مما تبعثره المدينة و هي تبسم في فتور

و كأنما رضعت مصابيح المدينة مقلتاه

فسرت لهيبا في دماه و ألغمتها بالرغاب

و كأنهن على المدى المقرور آلاف الشفاه

تدعوه ظمأى لاهثات مثل أحداق الذئاب

ما زلت تحترقين من فرح و أحتراق انتظار

أنا انتهينا

يا سماء و يا قبور أما أراها

لا بد من هذا وصوب مقلتيه إلى السماء

حنقا يزمجر ثم أطرق و هو يحلم بالقاء

باب تفتح في الظلام و ضحكة و شذى ثقيل

ويدان تجتذبان أغطية السرير و ترخيان

إحدى الستائر

ثم تنطفئان في الضوء الضئيل

و تغيم أخيلة و تجلى ثم تبرز حلمتان

ويطل وجه شاحب القسمات مختلج الشفاه

و تغيم أخيلة و تحلى ثم تفتح مقلتاه

فيرى القبور

و يرى المصابيح البعيدة كالمجامر في اتقاد

و يرى الطريق إلى القبور

يكتظ بالأشباح زاحفة إليه على اتئاد

فيصيح من فرح سألقاها فإن الطريق

نعشا و إن حف النساء به و أملق حاملوه

إني سألقاها و ينهض و هو يرفع باليمين

فانوسة الصدىء العتيق

يلقي سناه على الوجوه

و على الدثار القرمزي و في عيون القادمين

لو أنه اخترق الدثار بمقلتيه و بالضياء

لو حدث التابوت عمن فيه أو رفعت يداها

أو هبة للزعزع النكباء حاشية الغطاء

تحت النجوم الساهمات

لكاد ينكر من رآها

و تظل أنوار المدينة و هي تلمع من بعيد

و يظل حفار القبور

ينأى عن القبر الجديد

معتثر الخطوات يحلم باللقاء و بالخمرو

 

 

رؤيا

رؤيا

عندما يسدل الليل ستارته المرصعة بفصوص نجمات بعيدة .
أنزع بحذر عيني من محجرهما .
وأحفظهما في محلول دمعي مع بقية أعيني.
ثم أبقى ساهرا بجوارها أحلم بأن أرى أحلامي . !
وفي ليلة شتائية متمددة كغيمة. قررت أن لا أنزعهما .
فرأيت . !
عذاباتي .!

المويلح

 عذرا منكم قد لا أتقيد بأي فكرة ولا اسلوب لأنني أقع تحت صطوة سحر المكان من حولي . المكان قرية اسمها المويلح . شمال مدينة ضباء . الهواء يعبث مرحا عائدا من عمق البحر . الأرض مفروشة برمل ناعم نظيف غض لين . ويعزف الموج سنفونيته الباعثة للطمأنينة . عزفه على أكثر من نغمة ووتر . في البعيد يأتي وشيش البحر بصوت متصل لا انقطاع فيه .وعلي مقربة بضعة أمتار خرير الموج. موجة لطيفة خفيفة ثم أخرى وأخرى يفصل بينهما ثانية واحدة لا تزيد . ويأتي بعدها انسحاب الموجة مترحلة عن عالم الرمل العطش الجاف للماء وللحياة . هسيس الرمل يعلن  تراتبية الجمال . بالقرب مني طقطقة الفحم وأنين أبريق الشاي . وعبير أوراقه تضيف للمكان بعدا آخر .  في البحر قارب يتهادى تعلو وتهبط إضاءته الخافته والحالمة . هل للأمكنة أرواح تخاطب أرواحنا ؟. هل أرواحنا اللاهثة في دروب الحياة بحاجة لأن تناجي روح البحر الطازجة ؟.على شاطئ المويلح  يقف النخل يتأمل لوحة الشروق الزاهي بألوانه. وتنظر لشهوب الغروب وانطفاء قرص الشمس الناري . في شاطئ  المويلح كان الجمال وصغارها تخوض في البحر ثم تدني برؤوسها لمجرى مائي عذب .  الآبار الحلوة قريبة من الشاطئ المالح .  تبتسم بفوهاتها الضيقة وترويك ماءا حالي عذب في المويلح يختلط الحلو بالمالح .  حلاوت المكان وملوحة الأيام

*******  *

 

 فالتعليقات سيأتي الحديث عن  منطقة (جزيّ) .ما  أهنأني ببريق بصرك .

Older Posts »